بأنها عربية هي أعجمية بالنسبة لنا، وأدركت أنها كلمات إسبانية الأصل استعارها المسلمون هناك وأصبحت عندهم عربية، دون أن يعرفوا أصلها.
وأما تأثير إسبانيا على أخلاق المسلمين فقد استبان جليا في عهد ملوك الطوائف وما يليه، أي في أعقاب الخلافة الأموية. ففي تلك العصور قامت مقاييس واعتبارات لا تتفق مع مقاييسهم القومية، ولا مع مفاهيمهم الدينية. وأظهرها ما كان يتعلق بالمرأة فقد أخذت المرأة فيما أخذ الرجل من لهو وترف، وجاذبية أنواع المرح والزهو، فانطلقت في حريتها إلى مثل ما انطلق إليه من تهتك، وقالت ما لم يكن يقوله غيرها، من تغزل وتخالع، بل قالت ما يقوله الآن صاحبات الأدب المكشوف. أنظر إلى الأميرة الولادة بنت المستكفي، وهي من سلالة الأمويين لقد كانت تنقش بالذهب على الطراز الأيمن من عصابتها:
أنا والله أصلح للمعالي
وأمشي مشيتي وأتيه تيها
وتنقش على الطراز الأيسر:
أمكن عاشقي من صحن خدي
وأعطي قبلتي من يشتهيها
وعلى غرار ولادة كثيرات من حرائر الأندلس أطلقن لأنفسهن زمام الحرية الواسعة، على أن هذه الجرية التي أدركتها نساء الأندلس إن دلت على شيء فإنما تدل أولا على استعداد المجتمع لها، ولولا ذلك لما تجرأت امرأة على تجاوز المألوف، وتدل ثانيا على الانقلاب الأخلاقي الذي حدث هناك نتيجة لتبدل المقاييس بتأثير المحيط.
وإما تبدل الملامح العربية فهذا طبيعي، وللأندلسيين أسوة بغيرهم من العرب الذين سكنوا البلاد الأخرى وقد أشار محمد رضا الشبيبي إلى ذلك بقوله: «فمن نزل من العرب فرغانة لا يستطيع تمييزه عن أهلها في السحنة واللون والهيئة. ومثلهم من نزلوا في غير فرغانة.»
تفرنج المسلمين بإسبانيا وضياع ملكهم:
حدث ذلك إبان ما كان العرب في الأندلس يتبوءون عرش الزعامة، ولما تخلوا عن هذا العرش إلى الإسبان صار الاندماج العربي بالظاهر للإسبانية والعادات، طبعا مألوفة. وكان من سن طريق الغلو في التشبه بهم محمد بن سعيد بن مردنيش أمير شرقي الأندلس في أواخر القرن الرابع عشر أشار إليه ابن الخطيب في كتابه «الإحاطة بأخبار غرناطة» وقال: «كان يتزيا بزي النصارى من الملابس والسلاح واللجم والسروج، وكلف بلسانهم».
وتعرض لهذا الموضوع عبد الله عفيفي في الجزء الثالث من كتابه «المرأة العربية» وذكر أن ابن هود ملك الأندلس كان يسير في أشتات بلاده حاسر الرأس وعلى هذا الطريق كان بنو الأحمر ينهجون، وأشار أيضا إلى أن علماء الأندلس كانوا يرخون ذوائبهم، ولم يكن يسمح لغيرهم أن يفعل ذلك سيرا على سنة الفرنج في رجال الأدب والفنون كما أشار إلى أن النساء الأندلسيات لبسن المناطق الإسبانيولية، واعتمرن بالقبعات، وخرج الفتيات حواسر الرؤوس كواشف الصدور.
زد على ذلك أن مسلمي الأندلس ما أن غلبوا على أمرهم حتى أخذوا ابتداء من القرن الخامس عشر يتعلمون اللغة الإسبانية ويستسيغون أدبها الجديد، ولا سيما المسرحيات. ولما تزحوا إلى شمالي إفريقيا وغيرها نقلوا معهم كتبهم ومسرحهم.
وهكذا فمثلما عرب المسلمون الإسبان في بداية الأمر فإن المحيط ساعد هؤلاء أولا على صبغ حضارة المسلمين بصيغة أوروبية، ثم استكملت في التالي الأحوال السياسية تبدل المسلمين حتى تفرنجوا. وما أن تفرنجوا حتى طردوا من الفردوس المفقود.
محمد جميل بيهم