الإسبان يتعربون ويساهمون في بناء الحضارة.
لا أدري ما هو نوع الجاذبية التي كانت للعرب، إبان الفتوح، والتي كانت أمضى من الحسام في إخضاع الشعوب، وفي حملها على الانصهار لهم؟ فاليونان والدول المتفرعة عنهم، وكذلك الرومان، بسطوا سلطانهم قبل العرب على كثير من الأمصار التي دخلت في حوزة هؤلاء وأثروا عليها، ولكنهم لم يستطيعوا سبيلا للقضاء على قومياتها بينما أن العرب ما كانوا يحتلون مصرا من الأمصار حتى تغشاه العروبة، ثم إلى صميمه فيساهم ذلك في بناء حضارة العرب بلغة العرب.
صحيح أن الإسلام يرجع إليه الفضل في هذه الجاذبية بما أمر من إنصاف الضعفاء على الإطلاق وبما وضع من حقوق للذميين، ولكن علينا أن لا ننسى ما كان للعرب أنفسهم من الأثر في هذا الشأن. فهم فضلا عن التزامهم عند الفتح أحكام الإسلام، كانوا يتخلقون بأخلاق فطرية ديمقراطية تزيل وحشة الشعوب المغلوبة، وتجعلهم قريبين من قلوبها. أن العربي الأصيل خلوق بفطرته لا يعرف النظام الطبقي الذي كان عند الرومان والصين وغيرهما، وهو لا يزال حتى الآن يتسم بهذه الأخلاق فلا يرتفع الأمير عن عبيده، وإذا ناداه أحد منهم ناداه «يا عمي» فتلك الأحكام، وتلك الأخلاق حملت الإسبان، كما حملت غيرهم في البلاد الأخرى، على الإقبال على الإسلام، وكانت حافزا الذين احتفظوا بأديانهم للتعرب، وللمساهمة في بناء المدينة العربية، ولا سيما اليهود منهم.
لقد شاهد الإسبان في بلادهم انتفاضة عظيمة عمرانية وثقافية ترافق العهد العربي الجديد ووجدوا أنفسهم تجاه وحدة في المصالح من الفاتحين فما وسعهم بعد ذلك إلا الاعتراف بالأمر الواقع، وتهافتوا على الإفادة والاستفادة من هذه الانتفاضة، فتعلموا اللغة العربية وترجموا إلى لغتهم ٍءادابها وقصصها فتطورت وظهرت بمظهر ثري جديد ثم اقبلوا على مدارسها وجامعاتها، وقلدوا أصحاب الدولة بالأسماء والأزياء والتقاليد، فإذا بهم بعد حين لا يختلفون عن العرب ولا يختلفون عنهم في شيء. بل إن شهرة جامعات قرطبة ومستشفياتها كانت تحمل بعض ملوك أوروبا وأعيانها على قصدها.
وكان بين هؤلاء Gerbert جربرت الأفرني الذي تسنم من بعد، كرسي البابوية باسم سلفسترو الثاني (890 ـ 999 م).
وأكثر من ذلك فإن مجاوري الأندلس لم يلبثوا أن تأثروا بالعروبة فقلدوا الأندلسيين بالفروسية وأخلاقها، وتلحين الأغاني ونظم الشعر، ونقلوا عنهم القصص والأمثال والحكم. على رواية جوانان وفانكافر في كتابهما «العالم» «فعدا الملامح العربية فإن أساقفة ئغر ماكولون ضربوا نقدا وخططوا بالكوفي على أحد وجهية الشاهدتين، وعلى الوجه الآخر رسم الحاكم اسمه. ويروي أيضا ابن جبير أنه شاهد النصرانيات في مدينة بالرم، عاصمة صقلية، خارجات في زي المسلمات في عهد النورمان.
أثر إسبانيا في الحضارة الأندلسية وفي أخلاق المسلمين.
إذا زرعت حفنة من القمح الإيطالي الممتاز بحجمه وجودته في غوطة دمشق أعطى في العام الأول قمحا لا يختلف عن البدار. ولكنك إذ كررت الزرع من نفس الإنتاج فلا تلبث بعد سنين قليلة أن تحصد حبا لا يختلف عن أمثاله من حبوب الشام. وهكذا فإن المحيط الإسباني الذي عاش فيه المسلمون أجيالا لم يلبث أن أعطى مثلما أخذ. ورغم القول المأثور: «الناس على دين ملوكهم» فإن التاريخ أرانا أن الدول الغالبة تتأثر بشعوبها المغلوبة، فالمسلمون في شبه جزيرة إيبريا تأثروا في لغتهم العامة، وفي أزيائهم وعاداتهم، وفي أخلاقهم وحتى في ملامحهم، فاللغة العامة أصبحت بعد حين غير لغة بغداد وسواها لأنها استعارت كلمات كثيرة اسبانية وتعابير وعربتها بينما أن لغة بغداد العامية، وحتى الفصحى امتلأت بالألفاظ الفارسية والتركية. وقد أتيح لي أن أشاهد بنفسي الازدواج بين لغة الأندلس العربية وبين لغة الإسبان معاصرتهما: ففي رحلة إلى الأمريكتين دعيت في مكسيكو إلى تناول الطعام في دار وجيه لبناني مثقف، ولما تطرق الحديث إلى مخلفات اللغة العربية في اللغة الأسبانية نهض مضيفي وجاء بقاموس إسباني قرأت في مقدمته أن 18 في المائة من مفرداته هي عربية. وكان هذا المعجم كلما ذكر واحدة منها يدرجها بالأحرف العربية إلى جانب الإسبانية ثم يفسرها، بيد أني سرعان ما لاحظت أن الكلمات التي أشار إليها المعجم