تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(138 ـ 171 هـ)، وقد نشر العلم وعني بشؤون العمران بالإضافة إلى عنايته بالجيش والأسطول، وخلفه ابنه هشام (171 ـ 180هـ) فثابر على الاهتمام بالشؤون العامة والثقافة، ونشر اللغة العربية إلى أن قامت في جوانب الأندلس مقام اللسان اللاتيني. أما عهد ابنه الحكم الأول (180 ـ 207 هـ) فكان عهد الحروب بينه وبين شارلمان ففترت العناية بالعلم والأدب، غير أنها لم تلبث أن استعادت نشاطها في أيام عبد الرحمن الثاني (207 ـ 228 هـ)، وكان معاصرا للمأمون في بغداد، ومنافسا له في رعاية الفلسفة. ثم قامت فتن داخلية وحروب متواصلة صرفت تباعا محمد الأول والمندر الأول، وعبد الله الأول، عن الشؤون الأدبية والثقافية حتى إذا تسلم العرش بعدهم عبد الرحمن الناصر (300 ـ 350 هـ) عوض ما فات، وكان عهده فاتحة العصر الذهبي الذي حفلت به الأندلس في خلافة ابنه الحكم الثاني (350 ـ 365 هـ) كان هذا العاهل عالما عمرانيا فلم يدخر وسعا في نشر الثقافة حتى أصبحت قرطبة، على رواية خوسية رويت موراليس المدير للعلاقات الثقافية في مدريد (مركز الثقافة في الغرب، وأضحت المدينة الأكثر علما فيه دون استثناء روما».

غير أن انصراف الحكم بكليته إلى الناحية الثقافية، وإهماله الجانب السياسي والناحية الأخلاقية أفضيا بالتالي لأن يكون عهده بداية انحطاط الدولة الأموية. وصادف أن صارت الخلافة بعده لولده هشام (365 ـ 393، 401 هـ) وكان صبيا فطمع الطامعون بها، وثارت الثورات في عهده وعهد خلفائه، فكانت نهايتهم الأليمة سنة 422 هـ، وكانت بداية ملوك الطوائف وقد أشار إليهم شاعرهم ابن الخطيب بقوله:

حتى إذا سلك الخلافة أنشر

وذهب العين جميعا والأثر

قام بكل بقعة مليك

وصاح فوق كل غصن ديك

كان ملوك الطوائف يريدون أن يشدوا حاضرهم بماضي الخلفاء فتنافسوا في التشبه بهم، ولا سيما في تعزيز العلم والأدب وأهليهما، وذلك على غرار منافسة أمويي الأندلس لمعاصريهم العباسيين، فأعطت هذه المنافسة أكلها الطيب في العهدين. وبفضل الحرية التي منحها ملوك الطوائف الفلاسفة وعلماء الدين ارتفع مستوى الثقافة، وانتشرت العلوم والآداب حتى لم يبق بالأندلس ولا أمي، على قول دوزي، وحتى أن المخانيث ساهموا في الأدب ووضعوا فيه المؤلفات ونشأ وقتئذ الشعور الشعبي، وبرز في ميدانه ابن قزمان.

وأن من المفروض أن يكون عهد سلاطين البربر في الأندلس (479 ـ 869 هـ) المرابطين، والموحدين، والمرينيين، كان المفروض أن يكون عهدهم عصر ذبول الحضارة لقرب هؤلاء من البداوة، ولأن أيامهم كانت حافلة بالحروب. ولكن الحضارة الأندلسية ظلت في الواقع تزداد ازدهارا ذلك لأنها كانت، منذ بداية القرن الثاني عشر للميلاد، قد أدركت من المناعة والقوة حدا جعلها لا تتأثر بالعوارض ولا تحتاج لرعاية أولياء العهد. هذا إلى أن فريقا من سلاطين هذه الدول لم يأل جهدا في مجاراة أسلافه من العواهل في تعزيز العلم وأهله. فإذا بالأفذاذ من علماء وفلاسفة وحكماء الحضارة الأندلسية يبرزون تباعا كابن رشد، وابن طفيل، وابن ميمون اليهودي، والإدريسي وذلك، خلال القرن الثاني عشر، ثم مسلمة المجريطي، وابن زهر، وعازار كيال الطليطلي، وسواهم من الذين ارتفعت الحضارة الغربية على سواعدهم في القرون التالية واشتهر في تلك الأيام أصحاب الموشحات كالحفيد بن زهر وأبي بكر بن زهر، وابن باجة، وابن سهل، والأعمى التطيلي.

وكان المسلمون، خلال نضوج حضارتهم في الأندلس يجلون تباعا عنها مهزومين إلى ملجئهم الأخير عند سيف البحر، إلى غرناطة عاصمة بني الأحمر (629 ـ 897 هـ). وكان بين المهاجرين العلماء والأدباء والصناع وغيرهم، فامتلأت هذه البقعة الصغيرة بأصحاب المواهب، ولا سيما بعد سقوط قرطبة (1238م) وإشبيلية (1248م) فانتفضت من جراء ذلك بنهضة جبارة كانت بمثابة انتفاضة الاحتضار بالنسبة لحضارة الأندلس، تلك الحقبة كان على رأس مشاهيرها لسان الدين بن الخطيب، وابن خلدون، وابن سعيد المغربي. وقد أصابت الموشحات خلال ذلك نصيبا من الازدهار، وكان يحمل العلم فيها إلى جانب ابن الخطيب، أبو عبد الله بن علي اللخمي.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٥٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٥٧٤