منهزمين أبشع انهزام أمام غزو الغرب الفكري. ومن جراء ذلك أن كل صوت يرتفع من معسكرات الأمم الغربية المسيطرة على الدنيا تسمع صداه في بلادهم على الفور. فعندما كانت النظريات التي أثارتها الثورة الفرنسية بالغة أشدها، كان المسلم المثقف ينادي بها في جميع المناسبات ويحاول إفراغ نفسه في قالبها، لأنه كان يعتقد أنه ليس له مقام عز وكرامة في ما سواها وهو يعد رجعيا لو لم يقم بها. فما أن تقشع سحاب هذه النظريات عن وجوه الدنيا حتى بدأت قبلة هؤلاء المثقفين المسلمين تتغير. وما أن ألقى العصر الجديد عصاه حتى برزت في المجتمع الإسلامي فئة تحمل في أيديها لواء العدالة الاجتماعية والاشتراكية. ويا ليت الأمر وقف عند هذا الحد. ولكن من الطامة الكبرى والبلية العظمى أن هؤلاء القوم ما رضوا بتحويل قبلة نظرياتهم فحسب، بل أرادوا كذلك أن يحول الإسلام قبلته، كأنهم لا يهنا لهم العيش ولا يسوغ لهم اللقمة بدون الإسلام .. فمن اللازم أن يشاركهم الإسلام في جميع تقلباتهم ويتشرف ـ على حد زعمهم ـ باتباع ما قد تشرفوا هم باتباعه لئلا يوجه إليه تهمة كونه دينا رجعيا. فعلى هذا جعل التصورات الغربية حول حرية الفرد والتسامح والرأسمالية والديمقراطية تصورات إسلامية خالصة. وعلى هذا تبذل الجهود اليوم في جعل الإسلام مؤيدا لتلك العدالة الاجتماعية التي ينشدها هؤلاء القوم ويقيمون عليها الدنيا ويقعدونها.
وفي هذه العجالة أريد أن أبين: ما هي العدالة الاجتماعية في حقيقة أمرها وما هي الطريقة الصحيحة لتحقيقها في هذا العصر.
أنه لا يرجى من الذين قد اقتنعوا بأن الاشتراكية هي الطريقة الوحيدة لتحقيق العدالة الاجتماعية في الدنيا، أن يعترفوا بغلطهم هذا ويتبرأوا منه. وذلك لأن الجاهل ما دام جاهلا محضا، فمن الممكن إلى حد كبير إرشاده إلى الطريق الصحيح وإرجاعه إلى ما هو الحق. أما إذا تربع هذا الجاهل على كرسي الحكم فزعمه بأنه (ما علمت لكم من اله غيري) لا يتركه صالحا لأن تجد كلمة الخير إلى قلبه سبيلا. أما عامة الناس فمن فضل الله عليهم أن ءاذانهم مصغية إلى كلمة الخير، وقلوبهم واعية صالحة للتنبه لدسائس الشيطان ومكايده إذا نبههم لها أحد من أهل الدعوة والفكر بطريقة صحيحة. وهذه الطبقة من الناس هي التي يتخذها الضالون المضلون مجال نشاطهم لنشر أباطيلهم. فلذلك لا أوجه الخطاب في كلمتي إلا إلى هذه الطبقة لأبين لها حقيقة العدالة الاجتماعية وطريق القيام بها.
الأمر الأول، الذي أريد التنبيه عليه في هذا الصدد هو: أن بعض الناس يقولون: أن في الإسلام أيضا عدالة اجتماعية. فهذا القول فيه نقص كبير أما الصحيح فهو «أن الإسلام هو العدل بعينه» الإسلام هو دين الحق الذي أنزله خالق الكون وربه لهداية الإنسان. فإقامة العدل بين الناس وتحديد ما هو العدل وما هو الظلم والجور إنما هذا من شأن خالق الإنسان وربه. أن الإنسان ليس مالكا لنفسه ولا حاكمها حتى يحق له اختيار مقياس للعدل أو وضعه من تلقاء نفسه، لأن مكانته في العالم ليست إلا أنه عبد مملوك لله تعالى. ثم أن الإنسان مهما كانت مرتبته عالية وشخصيته بارزة، ومهما بذل الجهود في التماس طريق للعدل وشارك معه في هذا جماعة من ذوي الرأي، لن تتكلل جهوده بالنجاح. وذلك لأن محدودية علم الإنسان وقصور فكره وسيطرة أهوائه وعصبياته على عقله لا مناص منها في أي حال من الأحوال. فليس من الممكن أن يضع الإنسان لنفسه نظاما يتنزه عن شوائب خصائصه البشرية ويحقق العدل الحقيقي بمعنى الكلمة. وربما يبدو في بداية الأمر أسس العدل في النظام الوضعي البشري، إلا أن التجارب العلمية لا تلبث أن تكشف اللثام عن حقيقتها وتقيم الشواهد على كونها بعيدة كل البعد عن العدل. ومن الثابت تاريخيا أن كل نظام وضعه الإنسان مع كل هذا لا يزال يقدم بحماقته على اختبار نظم أخرى يضعها ويراها أصلح من الأول. وعلى كل، لن يتحقق العدل الحقيقي أبدا إلا في وضعه الله السبوح القدوس عالم الغيب والشهادة.
والأمر الثاني، الذي لابد أن نفهمه في البداية هو أن القول: «في الإسلام عدل» أيضا تعبير ناقص لا يؤدي للإسلام حقه. فهدف الإسلام الأول هو العدل وما أتى الإسلام إلا لإقامة العدل في الدنيا. يقول الله سبحانه وتعالى (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز)