إن الإنسان إذا لا يغفل عن هذين الأمرين المذكورين آنفا لا يصدر عنه خطأ ابتغاء العدالة الاجتماعية من المصادر الأخرى غير الذي أنزله الله وجاء به رسوله صلى الله عليه وسلم. وأنه عندما يشعر بضرورة العدل يعلم أنه لا يجده ـ ولن يجد ـ إلا عند الله وعند رسوله كما يعلم أن لا وسيلة لإقامة العدل إلا أن يقيم هو الإسلام كاملا. والعدل ليس شيئا زائدا على وإنما الإسلام هو العدل ليس شيئا زائدا على الإسلام وإنما الإسلام هو العدل، وإقامة الإسلام وإقامة العدل شيء واحد.
هذا، ولننظر الآن ما هو العدل الاجتماعي في حقيقة الأمر، وما هي الطريقة الصحيحة لتحقيقه.
مما يعرفه كل منا أن المجتمع الإنساني يتكون من آلاف مؤلفة بل من ملايين من الأفراد، ولكل فرد روح وعقل وشعور وشخصية مستقلة تحتاج إلى الفرص الكافية لنموه وازدهاره، كما لكل فرد طبيعة نختلف عن طبائع غيره وغرائز تقتضيه تحقيقها، فهذه المجموعة من الأفراد الإنسانية ليست بمثابة الأجزاء في الماكينة حيث لا أهمية لها إلا في هيئتها الموحدة، بل الأمر بالعكس من ذلك. أن المجتمع الإنساني عبارة عن مجموعة من الأفراد ذات الأرواح والمشاعر. هؤلاء الأفراد ليسوا لهذه المجموعة وإنما المجموعة للأفراد. والغرض الرئيسي لاجتماع هؤلاء الأفراد إنما هو التكافل والتعاون على تحقيق حاجاتهم وتهيئة الفرص لإنجاز ما لأرواحهم وأجسادهم من المطالب. ومن الناحية الأخرى فإن كلا منهم مسؤول أمام الله تعالى. ولكل منهم أجل مسمى. إذا قضى أجله حاسبه الله تعالى: من أي نوع كون شخصيته: بمزاولة الصلاحيات والكفاءات التي أعطاه الله إياها، وبممارسة الوسائل التي يسرها له في الدنيا. وهذه المسؤولية لا تكون جماعية وإنما تكون فردية، أي لا تقوم الإنسانية أمام الله يوم القيامة بصورة الأسر والقبائل والشعوب، بل يحضر الله كل نفس إلى محكمته بصورة فردية ليسألها: ماذا اكتسبت، وعلى أي نوع كونت شخصيتك؟ فهذان الأمران ـ أي ضرورة نمو الشخصية الإنسانية في الدنيا، ومسؤولية الإنسان أمام الله يوم القيامة بصفة فردية ـ يقتضيان أن يكون لكل فرد حرية في أعماله وأفكاره. لأن الإنسان إذا لم يجد الفرص المواتية لإكمال شخصيته في المجتمع تذبل إنسانيته وتتضايق عليه نفسه وتضمحل قواه ومؤهلاته فيعتريه الخمول والتعطيل والبطالة ويصبح مقهورا محبوسا. وهؤلاء الناس المقهورون المحبوسون تنتقل معظم مسؤولياتهم إلى الذين وضعوا نظاما اجتماعيا كبل حرياتهم الأساسية. فواضعو هذا الطراز من النظام لا يحاسبون يوم القيامة على ما أتوا من أعمالهم الفردية فحسب، بل يحاسبون كذلك على ما اقترفوا من جريمة تكبيل حريات الآخرين وإرغامهم على تكوين شخصياتهم ناقصة مبتورة.
فمن الواضح أنه لا يرضى أحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف أمام الله حاملا في عنقه تلك المسؤولية الكبرى التي ذكرتها آنفا. بل هو يرغب دائما إلى إعطاء الأفراد حرياتهم إلى أبعد مدى وأقصى حد ليكون كل منهم شخصيته حسب إرادته ومسؤوليته. ولا تنتقل مسؤوليته إليه.
هذا من ناحية الحرية الفردية. أما من ناحية المجتمع يتكون من الأسر والقبائل والشعوب وكافة البشر حسب الترتيب الفطري. لقد بدأ هذا المجتمع من رجل وامرأة وأولادهما ثم تكونت منهم الأسرة، ومن الأسر تتكون القبيلة، ومن القبائل تبرز إلى حيز الوجود الشعوب والأمم التي تشكل نظاما للدولة لتطبيق إرادتها وتحقيق مراميها. وهذه المجتمعات العديدة في أشكالها المتنوعة غرضها الرئيسي أن تتوفر لدى الفرد، بمساعدتها وحمايتها، الفرص التي تضمن له إكمال شخصيته على الوجه المرضي، والتي لا يظفر بها إذا كان بمعزل عن هذه المجتمعات. ولكن لا يتم هذا الغرض إلا بسيادة المجتمع على الأفراد وبسيادة المجتمع الكبيرة على المجتمعات الصغيرة لتحديد حرية الفرد أولا حتى لا تنتهي إلى العدوان على الآخرين ثم لاستخدام الفرد في المصالح الضرورية لترقية جميع أفراد المجتمع والنهوض بها. وهذه هي النقطة التي ينشأ عندها السؤال عن ضرورة العدالة الاجتماعية، وينشب الخلاف بين مقتضيات الفرد ومطالب المجتمع في صورة معضلة يستعصى على الإنسان حلها. ففي جانب تقتضي المصلحة البشرية حرية الفرد في المجتمع ليكمل شخصيته حسب مؤهلاته الفطرية على الوجه المرضي كما تقتضي حرية الأسر والقبائل والشعوب والأمم نفس الفرض. وفي الجانب الآخر تقتضي المصلحة البشرية أيضا سيادة الأسرة على الأفراد وسيادة القبائل على الأسر وسيادة الدولة على كافة الأفراد والمجتمعات لئلا يتجاوز أحد من هذه الجماعات البشرية الحدود التي تنتهي إلى الظلم والعدوان. وهذا السؤال ينشأ كذلك عن الإنسانية كلها. ففي