دعوة الحق، س.6، ع2 /نونبر 1962 .................... ص 2
دراسات إسلامية: العدالة الاجتماعية، حقيقتها وسبيل تحقيقها
لفضيلة الأستاذ: أبي الأعلى المودودي (1)
يقول الله تعالى في كتابه العزيز (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) ومن غرائب هذا الخلق، الذي خلق الله عليه الإنسان، أنه قلما يرغب في الفساد المكشوف والفتنة العارية. فعندما يدعوه الشيطان إلى طريق الفساد والشر يلبسهما ثوب الصلاح والخير ـ زورا وبهتانا ـ لإيقاعه في مصيدته المنصبة لذلك.
فمثلا لم يكن الشيطان ليستطيع أن يلقى آدم وحواء عليهما السلام في شباك خديعته لو قال لهما صارحا: «إني أريد أن تعصيا ربكما وتخرجا من الجنة». بل خدعهما بقوله: «هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى». هذا من خصائص الإنسان الفطرية التي لا تزال فيه حتى اليوم، فجميع الأخطاء والحماقات التي يوقع الشيطان في مخالبها الإنسان لم يكن ليرضى باقترافها إلا بعد ما زين له الشيطان هذه الأخطاء والحماقات وقدمها إليه في صورة شعارات مزورة.
ومن المكايد التي يحيكها الشيطان للإنسان في العصر الجديد، تلك التي يقال لها: «العدالة الاجتماعية» ( Social Justice) ومما يعرفه من له أدنى إلمام بالتاريخ الإنساني أن الشيطان خدع الإنسان إلى زمن غير يسير باسم الحرية الفردية ( Individual Liberty) والتسامح ( Liberalisme) وعلى أساسهما جعله يختلق نظاما للرأسمالية والديمقراطية في القرن الثامن عشر الميلادي. فكان من استيلاء هذا النظام في الدنيا تعتبره النقطة النهائية لرقي الإنسان وحضارته، وكل من كان يريد أن يلقب بالرجل المتقدم المتحضر اضطر إلى المناداة بالحرية الفردية والتسامح. وكان الناس قد أشرب في قلوبهم اليقين بأنه إذا كان هناك نظام يتلاءم مع الحياة الإنسانية فليس ذلك إلا النظام الرأسمالي الذي أسس بنيانه في أوربا. ولكن بعد ذلك أتى على الدنيا حين من الدهر ظل يشعر فيه الإنسان أن هذا النظام الشيطاني قد ملأ الأرض جورا وفسادا وطغيانا من أقصاها إلى أقصاها. فلم يبق بعد ذلك للشيطان الرجيم أي متسع لإبقاء البشر في حبال خديعته مستندا بهذه النعرة المزورة، فجاء إلى الإنسان بمكيدة أخرى سماها «العدالة الاجتماعية» أو «الاشتراكية». وجعله يبذل جهده في تأسيس نظام جديد للحياة الإنسانية. وهذا النظام أيضا قد ملأ بعض نواحي العالم ظلما وهمجية وتجرع منه بعض الشعوب كؤوس الاستبداد والاضطهاد، مما ترتجف بسماعه الأوصال وتقشعر منه الأبدان. إلا أن قوة التزوير الشيطاني والمكر الإبليسي، البالغة منتهاها جعلت كثيرا من البلاد الأخرى تتشوق إليه وتتوق إلى قبوله اعتقادا منها أن هذا النظام هي النقطة النهائية من تقدم البشر وحضارته. ولم ينكشف بعد رجله.
أما المسلمون، فيختلف حالهم عن غيرهم، لأن عندهم كتاب الله وسنة رسوله. فيهما من نور الهداية الأبدية ما يكفل لهم التفطن لدسائس الشيطان، والاهتداء بالطريق القويم في جميع شؤون حياتهم.
إلا أن هؤلاء المساكين نراهم جاهلين كل الجهل دينهم الحق، مفتتنين أي افتتان بالثقافة الاستعمارية،