تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

معتبرا أن الاكتشافات العلمية في مختلف العصور مثل الأدلة النظرية تثبت بالأدلة القاطعة قضايا القصد والعناية والقدرة الباهرة والحكمة الكاملة في خلق الأشياء وتكون هذه العوالم في مختلف مظاهرها دون ما يعرف به بعض المتفلسفين الشكاك من أن هذه العوالم بما فيها من نظام وحكمة ومقادير بلغت من الدقة ما يحير العقول إنما نشأت بالمصادفة العمياء من غير قصد ولا تدبير من خالق عليم خبير.

ثم يقارن الفيلسوف الموزون في أماليه ما أثبته العلم بما قرر القرآن حتى تتلاقى عقول العباقرة مع الوحي القرآني المنزل فتتكون من الجميع أدلة برهانية لا تدع مجالا للشك في وجود الله وعظيم قدرته وباهر حكمته وأزليته وأنه رب العالمين.

وكأني بالفيلسوف الموزون صاحب الأمالي ((قصة الإيمان)) عرض له في مدة دراسته للعلوم ما عرض لتلميذه حيران بن الأضعف أو شبيه به فقد حضر بلبنان دروس الشيخ الجليل حسين الجسر مؤلف الرسالة الحميدية فقال له الشيخ الجسر عند وداعه يا أبا النور: (كنية الشيخ الموزون) هذه الأيام المعدودات التي سمعت بها الدروس لا تكفيك، ولكني أنصحك أن تكثر من قراءة الفلسفة حتى لا تترك منها شيئا وتكثر من قراءة علوم الطبيعة، وتكثر من قراءة القرآن. يقول الموزون قلت: كيف أكثر من قراءة الفلسفة وهذا الشك ما أتاني إلا منها؟

فأجابه الجسر يا ولدي أبا النور: إن الفلسفة بحر على خلاف البحور يجد راكبه الخطر والزيغ في سواحله وشطآنه، والأمان والإيمان في لججه وأعماقه، فاقرأها يا أبا النور بصبر وأناة، ولا تترك شيئا مما قاله الفلاسفة عن وجود الله وأحديته، ثم اجمع أقوالهم وقارن بينها ووازن، ثم اجمع من القرآن كل الآيات الدالة على وجود الله واقرأها بتدبر على ضوء ما قرأت من الفلسفة والعلم، وارجع في التوفيق بين العلم والدين إلى تحكيم العقل، وسوف تجد نفسك بعد ذلك في أحضان الإيمان واليقين).

ففي قول الشيخ الموزون "كيف أكثر من قراءة الفلسفة وهذا الشك ما أتاني إلا منها" دليل على أنه أصيب بشكوك حيرت نفسه، إلا أن عمله بوصية شيخه أزالت عن نفسه هذه الأزمة، وفرجت عنه تلك الغمة حتى كونت منه فليسوفا عظيما وهدته إلى الله حتى أملى هذه الأمالي الهامة على تلميذه حيران بن الأضعف وقت عزلته في خلوته وانقطاعه عن الخلق إلى الحق، فكانت أماليه نبراسا هاديا يقدره العلماء والمفكرون، ويهتدي بأبحاثه القيمة الشبان المتنورون وينقطع بحججه الدامغة المتنطعون والجاحدون.

فالشيخ الموزون يحكي عن مدارسته للفلسفة فيقول: وتفرغت للمطالعة فقرأت من الفلسفة ما شاء الله أن أقرأ في سنين عديدة وألفت فيها وقرأت من القرآن ما شاء الله أن أقرأ وجمعت منه الآيات الدالة على وجود الله كلها، ورجعت في التوفيق بين العلم والدين إلى تحكيم العقل كما أمرني الجسر وخرجت من هذا الجهد الطويل بعد عشر سنوات إلى الهدى واليقين، وفتحت علي أبواب الرحمة كما بشرني الجسر حتى رضيت، أما الهدى واليقين فقد بلغتهما بالموازنة بين كلام الكثرة العظمى من أكابر الفلاسفة القائلين بوجود الله وكلام القلة من الضعفاء الشكاك وبالمقارنة بين أدلة الفلاسفة وأدلة القرآن، وبجمع كل ما جاء في القرآن من آيات الخلق والتكوين الدالة على الله وتدبرها على ضوء الحقائق القاطعة التي أثبتها العلم حتى استنار قلبي فرأيت الله فيه.

ومما يقوي الرغبة في الاطلاع على هذا الكتاب أن طريقة عرضه للآراء والأفكار قصصية حيث سلك طريقة الحوار وقد صرح الشيخ الموزون باختيار هذه الطريقة بنفسه وكما يظهر من تأسفه بعد علمه بالشك الذي استولى على فكر التلميذ الجامعي الذي قصده لإنقاذه من الضلال فقال له رضي الله عنه: وارحماه لكم يا شباب هذا الجيل .. أنتم المخضرمون بين مدرسة الإيمان من طريق النقل ومدرسة الإدراك من طريق العقل، وما هي كذلك يا ولدي، بل هي سبيل للإيمان بالله من طريق العقل الذي بني عليه الإيمان كله ولكن الفلسفة يا بني بحر على خلاف البحور يجد راكبه الخطر والزيغ في سواحله وشطآنه، والأمان والإيمان في لججه وأعماقه.

وبعد فقصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن جديرة بعناية الشباب المثقف ودراسة وافية لأنها تحفة فكرية وخلاصة هادية وذخيرة علمية فيها لون خاص من الإشعاعات الروحية الفلسفية الهادفة ما يرضي العقل المتنور والروح الدينية ويجمعهما على صعيد الإيمان الواعي المتبصر، وما هذه الكلمة حول

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٥٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٥٢١