تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

استطاع أن يثير اهتمام الرجل العادي الذي لا يتوفر على أية ثقافة فكرية تساعده على التفكير الحر المتعقد، والنصرانية نظرا للصفة التجريدية لقيمها الأخلاقية العقائدية، فكانت بطبيعة الحال بعيدة كل البعد عن متناول فهم الرجل العادي عكس الأمر بالنسبة للإسلام، فهو لا يحاول أن يفلسف الكون وخالق الكون، ولا أن يفلسف علاقة الفرد بخالقه، فقد عرض الإسلام الأشياء عرضا بسيطا واضحا لا يحتاج في فهمها إلى الاستعانة بمنطق أرسطو وفلسفة أفلاطون.

وهكذا فبساطة الإسلام وغموض النصرانية، واحتكاك رجال الدين الاسبان بالإسلام والثقافة العربية في الأندلس قد مكنتهم من معرفة شيء غير يسير عن الفكر الإسلامي والقيم الإسلامية على وجه التخصيص، وكانت هذه المعرفة قد كشفت لهم عن سر انتشار الإسلام في كثير من مناطق العالم دون تبشير ولا جهود ترعاها الدولة، وهذا الأمر هو الذي حمل الخشية إلى رجال الدين الكاثوليك، وقد كان رد الفعل لديهم وقائيا في اعتقادهم، أي الخشية من أن تتصل الجماهير النصرانية في الأندلس وغير الأندلس بالإسلام مباشرة عن طريق الثقافة العربية التي كانت قد انتشرت في الأوساط المسيحية في الأندلس بشكل أثار قلق رجال الكنيسة، وقد أوردت بعض كتب التاريخ أن تيسا قد أظهر جزعه البالغ من انصراف الشبيبة المسيحية عن تعلم اللغة اللاتينية إلى العربية وأن هذا المرض يجب أن يعالج وإلا حلت الكارثة بما تبقى من فكر وعقيدة نصرانية في هذه البلاد.

وكان من جراء ذلك أن أسرفت الكنيسة في تشويه الإسلام، وأسرفت في إلصاق أبشع الأوصاف والنعوت بالعرب المسلمين في الأندلس حتى لقد بلغ التشويه درجة لا يكاد يصدقها العقل، وفي المراكز الإسلامية السابقة في الأندلس كقرطبة، وغرناطة، وإشبيلية يوجد اليوم عدد رجال الدين ما يساوي نسبة عشرين في المائة من السكان أو أكثر.

حقا أن كثرة رجال الدين في اسبانيا أمر ملحوظ من طرف جميع الناس، ولكن كثرة هؤلاء في الأندلس تمثل نسبة أعلى بكثير من أي منطقة اسبانية أخرى، وعدد الكنائس هو الآخر اليوم في الأندلس له مغزاه التاريخي، فكل زنقة تقريبا في المدن الإسلامية السابقة يكاد المرء يلحظ وجود كنيسة ورنين النواقيس أمرا مدهشا حقا فيكاد جل الوقت عامرا بأصوات النواقيس التي تتجاوب في كل ناحية وهذه الظاهرة قائمة في الأندلس دون سواها من المدن الاسبانية، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن التحدي للوجود الإسلامي الذي زال، لا يزال هذا التحدي قائما في الأندلس، وأن الكنيسة لا تزال ترعاه في أشكال مختلفة.

والواقع أن غزو الأندلس أمر عسير للغاية لكونها محصنة بسلسلة من الجبال المتماسكة، الأمر الذي يجعل تقدم أي غاز أو فاتح يواجه مهمة شاقة عسيرة، لن يستطيع تذليلها إلا بعد عناء لا يوصف، ومن غير شك فإن فتح المسلمين للأندلس كان عملا رائعا يدل على مدى الطاقة الروحية والمادية التي كانت سهلت عليهم أمر الفتح والغزو، وفي نفس الوقت فإن المسلمين الذين ضيعوا الأندلس كانوا من غير شك قد بلغوا درجة من الانحطاط الروحي والمعنوي، والمادي، لا تكاد توصف، وأنهم كانوا قد فقدوا تماما كل مناعة للمقاومة، إن بذل أيسر الجهد كاف لأن يحول دون سقوط الأندلس، إن طبيعة الأندلس محصنة بصورة تجعلها قلعة تقي نفسها أي عدوان خارجي.

إن الإفلاس الروحي لمسلمي الأندلس كان من غير ريب هو العامل الأول الذي مهد السبيل للاسبان لأن يجتاحوا الأندلس دون جهد أو عناء ودون أن يواجهوا مقاومة، لقد أسرف الأندلسيون على أنفسهم في اللهو والعبث فكان الجزاء هو الذي سجله التاريخ، كان الجزاء لعنة الأجيال.

غرناطة: رابح منصر

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٥١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٥١٩