تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك هدفان: هدف أول هو النيل من الإسلام، وهدف ثان هو تغذية روح التعصب في نفوس المسيحيين، وهذا ما يجعل اسبانيا اليوم أكثر البلدان المسيحية تعصبا يكاد يصل إلى درجة الحمق والعتوة.

والغريب أن الناس هنا في الأندلس رغم حملة الكنيسة ضد الإسلام خلال عدة قرون ظل الكثير منهم يحمل ذكريات طيبة نحو الإسلام والمسلمين، وإن كانوا لا يظهرون هذه العواطف إلا عندما يتأكدون من طيبة طوية من يشاطرونه الحديث، ولعل الآثار الخالدة للحضارة الإسلامية الباقية حتى الآن في الأندلس توحي لأندلسيي اليوم عظمة الدور الذي قام به المسلمون في هذه الديار، ولا يستطيع حتى المتعصب منهم المرن في عصبيته أن يخفي إعجابه بقصر الحمراء، أو مسجد إشبيليا الذي حول إلى كنيسة، فالأندلسيون الاسبان اليوم لا ينكرون إطلاقا أن الإسلام في الأندلس حين غزا القلوب في هذه الديار مدة ثمانية من القرون إنما كان بجانب كونه فكرة ربانية تحمل للإنسان حيث وجد مشعل الهدى والتوجيه فإن هذا المشعل الروحي قد رافقه مشعل آخر ينير الطريق نحو إقامة حضارة مادية تقوم على أساس من العلم والبحث العلمي بوسائل وطرق منهجية أثارت إعجاب الباحثين المنصفين من رجال علم التاريخ وعلم الاجتماع، ولعل نظام الري الذي أقامه المسلمون في إشبيلية وغرناطة آية ناطقة على مدى التقدم في ميدان العلوم ذات الطابع المادي، بجانب العلوم الإنسانية كالآداب والفلسفة، وعلم الطب. وغير خاف أن أروبا في نهضتها الحديثة مدينة بشيء غير يسير إلى العلماء المسلمين الأندلسيين، ويذكر التاريخ أن كثيرا من مؤلفات علماء أندلسيين قد نقلت إلى اللغة اللاتينية، لغة العلم في القرون الوسطى، وكانت هذه المؤلفات المترجمة عن العربية هي الأساس الذي اعتمدته الدراسة في المعاهد العلمية في أروبا.

والفرد الاسباني الواعي لا يجهل هذه الحقيقة، ولكنهم لا يجهرون بها دوما لأسباب نفسية لها جذور عميقة في النفسية الاسبانية، وأهم هذه الأسباب أن الاسبان لايزال البعض منهم يتوجس خيفة من أي زحف إسلامي جديد، ولكن هذه الخشية الباطنة الخفية مصدرها التأثر بعظمة دور الإسلام، وقدرة المسلمين على الخلق والإبداع وعلى تأكيد وجودهم في ميدان الخلق الحضاري بجانب الوجود الإنساني الذي يتمثل في القابلية على المقاومة والبقاء حتى النهاية، والفرد الاسباني في هذا الميدان سجين التاريخ والماضي فيما يتعلق بفكرته عن العرب والمسلمين، بحيث ظل متأثرا بعظمة العرب والمسلمين وبخطورة الدور الذي قاموا به في الأندلس، ومع ذلك لا ينظرون إلى حاضر العرب والمسلمين وإلى مدى حالة الضعف التي يوجدون فيها، ومدى التخلف الروحي الذي يعانونه، فالاسباني في الأندلس لا يزال دائما يحمل في ذهنه فكرة تعني أبدا أن العربي يحمل دائما رسالة، وأنه مدفوع دائما بقوة إيمانه بهذه الرسالة إلى فرضها على الغير، واللجوء إلى السيف هو أيسر سبيل إلى ذلك، فالعربي من أجل نشر الإسلام لا يفتأ شاهرا سيفه في وجه كل معارض لقبول فكرة الإسلام، وأن قرون التخلف والجمود الفكري التي عاناها العالم الإسلامي والعربي على التخصيص كانت العامل الحاسم في وقف الزحف العربي الإسلامي، وأنه لا يستبعد عندما يصحو المارد الإسلامي من غفوته أن يحاول من جديد مد وجوده يمينا وشمالا، وحين تحاول إقناع الفرد الاسباني بأن زمن الفتح قد ولى وأنه لم يعد هناك من مجال لفرض عقيدة ما بالقوة، حين تحاول إقناع الفرد الاسباني بهذه الحقيقة يجيبك جادا: بأن الإسلام قد أقام وجوده على السيف، وأن السيف سبب وجوده وانتشاره والإسلام فوق ذلك لا يقنع بالانكماش حيث هو، إن من طبيعته الامتداد والانتشار، إن الإسلام على حد تعبير محدثي الاسباني كالسرطان فحتميته التوسع والانتشار.

وحين حاولت إقناع محدثي الاسباني بأن ملايين من الرجال والنساء اعتنقوا الإسلام في آسيا دون أن يكون للسيف وجود، ودون ضغط أو إكراه، كان جوابه وجود فراغ عقائدي لدى الجماعات الآسيوية التي التجأت إلى الإسلام لسد فراغ روحي.

والحق أن التحدي الإسلامي للنصرانية في الأندلس خلال ثمانية قرون قد أحدث آثارا بعيدة المدى في حياة الفرد المسيحي، وقد تمثل التحدي الإسلامي في الأندلس في عدة مظاهر كلها كانت صورة لعناصر إنسانية ومادية لها طابع التفوق والاستعلاء على العناصر النصرانية في ذلك العصر، فقد دخل الإسلام إلى الأندلس كعقيدة روحية، وقد حمل معه حضارة ومدنية لم تكن النصرانية بعد قد استطاعت أن تحقق مثلها، وقوة الإسلام هذه في الأندلس في عصره الزاهر كانت قد أشعرت الفرد الاسباني المسيحيي بنوع من الضآلة الشخصية سواء في مجال التقييم الروحي لسلوك الفرد، أو مجال التقدم العلمي، فالإسلام ببساطته وتفسيره لظواهر الحياة الدنيا قد

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٥١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٥١٨