دعوة الحق، س.6، ع1 /أكتوبر 1962 .................... ص 69
الأندلس كانت مسلمة
للأستاذ: رابح منصر
... غرناطة .... :
الحديث عن الإسلام في الأندلس، هو حديث عن حضارة، عن عقيدة، عن فكرة إنسانية، عن تجربة عمرت زمنا ثم شاءت الظروف والأحداث أن يوضع لها حد، لقد كان الإسلام في الأندلس، في بداية الزحف الإسلامي الأول وخلال قرون تلته، يمتد زحفا إنسانيا استهدف أول ما استهدف الإنسان الضال، ليفسح له مجال النظر والتفكير والتأمل، في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان وعلاقة الإنسان من حيث هو كائن، من حيث هو مخلوق، بخالقه، وفي نطاق عقائدية الإسلام والفكرة الحتمية التي يدفع بها الإنسان لأن يعرف نفسه وبالتالي ليعرف مصير حياته الآجلة، وما يفضي إليه في حياته الأخرى الآجلة، في هذا النطاق سنحاول استعادة ذكريات إسلامية في الأندلس الإسلامية، كان الإسلام هو الدافع الأول للزحف نحو اسبانيا لنشر لواء العقيدة الإسلامية خدمة للإنسانية في هذه المنطقة، وتم الأمر كما جاءت الرغبة الإسلامية الصادقة الواعية المصممة، ولكن الأمر اختلف غاية الاختلاف حين فقد الإسلام محتواه العقائدي في نفوس المسلمين بالأندلس قبل النكبة، وحين استحالوا إلى مسلمين (جغرافيين) يعني مسلمين حين يتحدث عن هذه المنطقة في مجال الحديث عن تخطيط الأقاليم والبلدان، أما الإسلام كروح، كفكرة، كعقيدة، كمبدأ، كرسالة إنسانية خالدة، فقد خوت منه قلوب وعقول الأندلسيين وخاصة الحاكمين، وهكذا كانت النهاية الحتمية آتية لا ريب فيها منذ اليوم الأول الذي فقد فيه الإسلام نفوذه على النفوس والعقول والقلوب جميعا، وكان التاريخ، تاريخ الإنسانية، قد سجل بسقوط الأندلس أكبر نكبة عرفتها الإنسانية، فإذا كان المسلمون قد جاءوا غزاة فإن الإسلام جاء على العكس من ذلك منقذا للجماعات البشرية المستضعفة في الأرض، فكان الإسلام بالنسبة إليها منقذا في الحياة الدنيا، وممهدا السبيل لحياة أخرى أسعد وأهنأ، والذي يزور الأندلس اليوم ويخالط أهلها ويعيش معهم وقتا ما، فسيجد الإسلام في الأندلس لم يختف كلية، فهو وإن ترك المكان للمسيحية فقد ظل نفوذه سائدا في شكل آخر، شكل عادات، شكل نظرة للحياة، أقصد أن الإسلام كعقيدة قد اختفى ولكن الإسلام كحضارة فلا تزال بعض آثاره قائمة في أهم المدن الأندلسية وخاصة غرناطة، وإشبيلية، وقادس، فالناس هنا لا تزال عاداتهم إسلامية وإن هم الآن يحيون حياة دينية صارمة شديدة تصل أحيانا إلى درجة التعصب الأعمى، حياة دينية ترعاها الكنيسة الكاثوليكية، تحاول منذ زمان أن تقضي على كل مظهر إسلامي في الأندلس، حتى بعض المآثر التاريخية لم تسلم من أذى رجال الكنيسة، حتى ليخيل للمرء أن شبح الإسلام لا يزال يخيم على الأندلس وأن رجال الكنيسة يخافون هذا الشبح ويرعبهم أينما وجدوا في الأندلس، حتى أنهم اندفعوا في تشويه الإسلام إلى تلقين الجماعات المسيحية في الأندلس معلومات تصور المسلمين الذين ظلوا في الأندلس ثمانية قرون صورة الجماعة التي جاءت وليست لها من رسالة سوى القتل وسفك الدماء، استباحة أموال غير المسلمين وحرمانهم، وأصبح اليوم في الأندلس - على ما لاحظت - كل مسيحي وخاصة الطبقة المتوسطة الثقافة ترى في المسلم اليوم رجلا يحمل تحت معطفه سكينا أو خنجرا وأنه مستعد لاستعماله ضد أي كائن آخر غير مسلم كلما وجد لذلك فرصة، وقد أسرفت الكنيسة في تهويل هذا الأمر أيما إسراف، وكان لها في