تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عشر يحكي المؤرخ الأندلسي ابن الخطيب، بعد مقامه في الرباط (*)، أن المسجد لم يتم. وهو لا يذكر شيئا (غير هذا) عن المسجد. ثم بعد ذلك في القرن التاسع عشر، يؤكد محمد بن عبد السلام الرباطي أن المسجد كان لا يزال «سليما» في عهد المرينيين، وهو تعبير مليء بالالتباس لصالح إتمام البناء. ثم في نهاية القرن ذاته، يلمح أحمد بن خالد الناصري .. «قالوا ولم يتم بناؤه (أي الصومعة) (*). وأخيرا، وفي أيامنا هذه، في مخطوط محفوظ بمكتبة الرباط، يؤكد محمد بن علي السلاوي أن المسجد أتم في حياة يعقوب المنصور نفسه.

وبعد هذا المؤلف الأخير، يأتي السيد ديولافوا ليخالف أيضا. فهو يرى أن مسجد حسان كان قلعة الرباط المقدسة وأكبر بيت للعبادة في الإسلام. بيت للعبادة أي مكان أصبح كذلك بإقامة الصلاة فيه.

وبالجملة، فإن في ذلك مسألة الإكمال كلها. فمن وجهة النظر الأركيولوجية من المؤكد أن البناية التي تهمنا كانت مسجدا، ولكن من وجهة النظر الدينية، كونه استحق يوما ما هذا اللقب، شيء أكثر من المشكوك فيه.

أن السيد ديولافوا الذي يبدو أنه قام في التاريخ المغربي بأكثر الأبحاث دقة فيما يخص النقطة التي تهمه، يخبرنا بأن التواريخ الأخرى فيما عدا تلك التي عددناها سابقا، تلزم الصمت فيما يخص مسجد حسان على أنه يذكر مرة أخرى تاريخا آخر ويقول .. «إذا كان التردد ممكنا في تفسير جملة روض القرطاس في حالة الأفراد أو في حالة الجمع، فإن فقرة لابن بطوطة ترفع جميع الشكوك. وفي الواقع أن الجغرافي المغربي الذي عاد إلى وطنه سنة 757 (1357 يتحدث على الشكل التالي في «تحفة النظار»، في موضوع مسجد بلخ .. «وخرب هذه المدينة (بلخ) تنكيز اللعين (1153 ـ 1227)، وهدم من مسجدها نحو الثلث بسبب كنز له أنه تحت سارية من سواريه، وهو من أحسن مساجد الدنيا وأفسحها. ومسجد رباط الفتح بالمغرب يشبهه في عظم سواريه. ومسجد بلخ أجمل منه في سوى ذلك. (*)

وينتج من هذه الموازنة ـ يقول السيد ديولافوا ـ أن المسجد المغربي لم يكن قد لحقه أي ضرر في سنة 1357، عندما زاره ابن بطوطة، وذلك لإلحاحه على الخراب الجزئي لمسجد بلخ وسكوته عن الخراب الأقل أو الأكثر شمولا لمسجد حسان. إذن فمسجد يعقوب المنصور كان لايزال موجودا في أواسط القرن الرابع عشر، أي بعد 165 من تأسيسه. إذن فقد كان حينئذ تام البناء ..

كلا ـ كما يبدو ـ فلا يمكن أن نستنتج من «سكوت» ابن بطوطة عن تهدم مسجد الرباط، ومن كونه كان «موجودا» عندما شاهده، أنه «أكمل». بل العكس هو الصحيح. فإذا كان هذا المؤرخ، الذي شاهد عددا أكبر من المساجد العظيمة والجميلة في رحلاته، قد فكر وهو أمام خرائب مسجد بلغ في مسجد رباط الفتح، أو بالعكس، فمن الممكن أن نفترض بأن الحالة السيئة للجامعين هي التي جعلته وهو أمام أحدهما، يفكر في الآخر بصورة طبيعية، أكثر مما يفكر في أي مسجد آخر من هذا النوع، وذلك حتى يقوم بموازنته.

وكان السيد ديولافوا قد عثر، أثناء حفرياته، «فوق أرضية البناء العتيقة»، على درهم باسم عبد الحق، أول خليفة في الدولة المرينية، وعلى فلس مؤرخ بـ 700 للهجرة (1301م). وفي هذا الموضوع يقول: «على هذه الصورة تصل إلى بداية القرن الرابع عشر. وليس في نيتي أن أستنتج من هذه المكتشفات الدليل على أنه كان يعمر بالمؤمنين طول أكثر من قرن بعد موت يعقوب المنصور، ولكن ذلك، على الأقل، علامة لا يمكن إهمالها.

*) كان ابن الخطيب منفيا إلى سلا مع ملك غرناطة محمد الخامس ومكث بها ثلاث سنوات.

*) الضمير قد يعود على الجامع وعلى الصومعة أو عليهما معا. أنظر الاستقصاء المرجع السابق.

*) تحفة القطار. أنظر مهذب رحلة ابن بطوطة تحقيق أحمد العوامري ومحمد أحمد جاد المولى.

طبع مصر سنة 1939، الجزء الأول ـ ص317.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٥٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٥٠٦