فهل من الممكن أن نعتبر «علامة» دالة على إكمال بناء المسجد، هذا الدرهم المسكين الضائع لا أدري في أية ظروف بين تلك الأسوار؟
ويرجع السيد ديولافوا بعد هذا إلى القسم الأول من دراسته ليستعرض نتائج حفرياته في المسألة فيقول: «أما عن إكمال البناء، فإن ذلك يبدو لي شيئا لا ريب. ويعتمد رأيي هذا على اكتشاف أقواس صغيرة من الآجر، وقطع من هيكل البناء، وأجزاء سقفية، ووريقات الرصاص، وقطع من الزخرف، (الزليج وغيره) (*). وشاهد في أوراق الرصاص هذه «سلسلات صغيرة». أما اكتشاف الزخرف فيتمثل في بعض النماذج الصغيرة من الطلاء المحفور بنوع من الأزاميل والمبري بالسكين من صنع جاف بعض الشيء، وبعض القطع النادرة من الزليج «غير مبرية ولكن مقبولة»، وبشأنها يتساءل هذا العالم الأثري: «هل أتت هذه القطع من زخرفة المسجد؟ على كل حال فالصنع أرقى مما هو موجود حاليا في منتجات الصناعة المغربية».
وكان السيد ديولافوا قد اكتشف أيضا «سريرا من الفحم، وقطعا من الخشب محترقة، وقراميد مشوظة، مما يشهد بأن حريقا كان قد دمر البناية». وقد بدا له أنه تعرف حتى على النقطة التي ابتدا منها الحريق». وهو فوق ذلك يستخلص «البرهان على إكمال بناء المسجد». فهو يقول: «ذلك أنه يكن لينتشر (الحريق) إلا خلال هيكل بناء في المكان».
وأخيرا، فالسيد ديولافوا، نظرا لجهله بأسبقية المعجب للمراكشي على روض القرطاس، يكتب قائلا: «أن الخطأ الذي ارتكبه المؤرخون بعد روض القرطاس بذكرهم أن الأعمال في مسجد حسان كانت قد أوقفت عند موت يعقوب المنصور، ينبغي إرجاعه جزئيا إلى الحال الذي تبدو عليه المنارة، ينبغي إرجاعه جزئيا إلى الحال الذي تبدو عليه المنارة، فإنه يقفز للعين الأقل مراسا أن البرج لم يتهدم».
بيد أن واحدا من هؤلاء المؤرخين ـ كما قال السيد ديولافوا ـ وهو مؤلف كتاب الاستقصاء، الذي شاهد الأثر بعينه، قد كتب قائلا: «ويزعمون أن بناء المنار لم يتم». فهل خامره الشك في ذلك وهو يشاهد هذا الأثر؟
***
إذا كنا قد ناقشنا طويلا حجج السيد ديولافوا، فليس من الوصول، كما تحفظنا بقول هذا في بداية هذه الدراسة ـ إلى إقامة البرهان على أن مسجد حسان لم يصل بناؤه إلى السقف، وأن العمل العظيم لم يتم (من الممكن أن يكون قد أتم، وقد يكون ذلك حتى في حياة المنصور)، ولكن من أجل تقرير أن البناية لم تبلغ الحد الذي يمكن اعتبارها معه مسجدا.
هل في إمكاننا التأكيد أنه أصبح معبدا وأقيمت فيه الصلاة؟ فإذا كان ينقصه هذا العنصر الروحي، أفليس من المغامرة القول، مثلما صنع مؤرخه الحديث، بأنه كان «أعظم مسجد في الإسلام»؟ إذ لا يظهر أن الإسلام قد تخطى عتبته. ولم تسمح الحوادث للعاهل الذي أمر بتشييده بتحقيق مطمحه الواسع. ولذا فإبعاد البناية تتجاوز العظمة الحقيقية لتاريخها، بالرغم من أن تاريخ الموحدين تاريخ مجيد.
وقد توهم اليوم هذه الخرائب بأهمية ما لمدينة الرباط في الماضي. فمن المعلوم أن بناء مدينة الرباط بأمر وحسب مخطط يعقوب بن يوسف بن عبد المومن، الذي استأنف مشروعا لجده، كان عملا سيء الحظ فقد شيدها أمير المومنين كما يبدو، ضد رغبة مستشاريه، وكان عليه أن يسترضي الناس بالمال حتى يأتوا لسكناها. وقد هجرت مدينة سلا الجديدة (الرباط) أثر وفاة يعقوب المنشور مباشرة. وقام فيها المرينيون ـ على الأغلب ـ بأعمال تخريبية كبيرة لم يفتأ الزمن أن أكملها. فأصبحت البنايات العامة والقصور القفرة إطلالا.
وفي بداية القرن السادس عشر، لم يكن قد بقي من هذه المدينة العظيمة، عندما زارها ليون الإفريقي، إلا مائة دار، كما يقول، وقد عبر عن حزنه لهذا الخراب. ومن الممكن أن يكون مسجد حسان قد استعمل في ذلك الوقت، في الفلاحة، من جانب ساكن التجمع الصغير المحتمي بالقلعة (قصبة الأداية)، كما
*) ما صنع بوسائل الإقناع هذه؟