تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وابن الخطيب في الموازنة بين سلا ومالقة، ويلخص هذا المؤرخ الأخير قراءاته على الشكل التالي .. «وإن كان بعض الملوك (يعقوب المنصور) ذهب إلى اتخاذها دارا، واستيطانها (الرباط) من أجل الأندلس قرارا، فلقد هم وما أتم» (فمنارة حسان لم يتم بناؤها). (*)

هل ينبعث التفكير، تبعا لهذه الجملة الأخير .. «فمنارة حسان لم يتم بناؤها»، بأن فقرة روض القرطاس التي ترجمها السيد بومييه من الكتاب نفسه بالجمع، ينبغي أن تترجم بالمفرد لأنه معروف من جهة أخرى أن المسجد لم يتم؟ هذا ما يريد أن يقوله السيد ديولافوا. ويمكن أن نفهم الأمر على وجه آخر. فما استفاده ابن الخطيب من «قراءاته» (*) هو، ولا شك، أن بناء مدينة الرباط، كما تصورها يعقوب المنصور، كان مشروعا سيء الحظ لم ينته به إلى غايته المرجوة. أما ما يقوله عن الصومعة، في جملة مستقلة، فذلك كما يبدو، ليخطر المسافر الذي يظل عند مشاهدة هذا الأثر (كما هو عند ما نشاهده اليوم، وكما استطاع أن يشاهده بين سنة 1359 و 1363 تقريبا، عند ما جاء إلى سلا) متشككا في معرفة ما إذا كان قد تم بناؤه أم أن قوة طبيعية نالت منه. وهو إذا لم يتحدث عن المسجد، فذلك الأصح، لأن ما بقي منه للعهد الذي شاهده فيه لم يكن يترك أي مجال للشكل في أنه لم يتم.

يزيد السيد ديولافوا أيضا قائلا .. «أن مؤلف كتاب الاستقصاء أكثر إيجازا ولكنه أيضا واضح.» ويورد هذه الفقرة للمؤلف .. «وأمر (يعقوب المنصور) ببناء جامع حسان ومناره الأعظم المضروب به المثل في الضخامة وحسن الصنعة، قالوا ولم يتم بناؤه» *

«قالوا»، أي التقاليد والرأي العام يزعم الأمر كذلك. ويفكر السيد ديولافوا على الشكل الآتي .. «الدليل على أن المسجد قد تم بناؤه، هو أن الصومعة لم يتم بناؤها. ولكن أليس من المنطق أكثر من ذلك القول بأنه حتى هذه الصومعة العظيمة التي قد يظن أن عوامل الطبيعة قد نالت منها لم يتم بناؤها؟.

على أن هناك مؤلفين لم يترددا ـ حسب ديولافوا ـ في التأكيد بأن مسجد حسان قد أتم بناؤه ولا يورد السيد ديولافوا كلامهما، وإنما يقول .. «وفي النهاية، بينما يقول مؤلف تاريخ العلويين (*) بأن المسجد لم يزل في حال سليمة حتى زمن المرنيين (سليما لا يعني تاما)، فإن مؤلف كتاب القرطاس (*) يلح على أنه قد أنهي في حياة يعقوب المنصور».

وقبل أن نذهب مع التقريرات إلى نهايتها، لنلاحظ التطور الذي أتبعه التاريخ فيما يخص المال التاريخ فيما يخص إكمال بناء مسجد حسان، من خلال كتب التاريخ التي ذكرها السيد ديولافوا. ففي أوائل القرن الثالث عشر يقول عبد الواحد المراكشي وهو يتحدث بصفته شاهد عيان، يقول بصريح العبارة أن أعمال البناء في المسجد قد توقفت بموت يعقوب المنصور، وأنه لا ابنه ولا حفيده استأنفها، وأن المسجد ظل غير تام (*). وفي الربع الأول من القرن الرابع عشر، بعد مائة سنة بالضبط، يخبرنا مؤلف روض القرطاس في سنة 726 (1326م) من خلال تعداده لمنجزات المنصور، أن مسجد حسان وصومعته لم يتما قط (*). وفي الجزء الأخير من القرن الرابع

*) رسالة مفاخرات سلا ومالقة، ص 61 طبعة الإسكندرية سنة 1958 تحت عنوان «مجموعة من رسائله»، تحقيق أحمد مختار العبادي. والعبارة

*) لا يشير ابن الخطيب في المرجع السابق إلى أية قراءات. ولعل الباحث قصد استشهاد ابن الخطيب بكتب التاريخ الموجودة لعهده على ما يقول بشأن سلا ومالقا. أنظر ص 63ـ64ـ65 من الرسالة المذكورة.

*) الاستقصاء. الجزء الثاني ص174 من طبعة دار الكتاب بالدار البيضاء سنة 1954.

*) لم أعثر على هذا الكتاب ولعله مخطوط.

*) مخطوط بمكتبة الرباط.

*) ما يستعرضه من الحوادث السياسية يسمح لنا بأن نفهم لما ذا توقفت مصاريف إكمال رباط الفتح.

*) كتب المعجب سنة 621 هـ وكتب روض القرطاس سنة 726 هـ.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٥٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٥٠٥