تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أم أن المسجد قد أنهى بناؤه؟ نقرأ في المعجب ما يلي .. «ولم يتم هذا المسجد إلى اليوم (مسجد حسان)، لأن العمل ارتفع عنه بموت أبي يوسف (يعقوب المنصور) ولم يعمل فيه محمد (الناصر، ابن المنصور) ولا يوسف (ابن الناصر) شيئا. وأما المدينة (رباط الفتح) فتمت في حياة أبي يوسف وكملت أسوارها وأبوابها وعمر كثير منها .... ثم خرج من (الرباط) بعد أن رتب أشغال هذه المدينة وجعل عليها من أمناء المصامدة من ينظر في أمر نفقاتها وما يصلحها. فلم يزل العمل فيها وفي مسجدها المذكور طول مدة ولايته إلى سنة 594 (وهي السنة التي توفي فيها)» (*)

أن الطريقة التي يلح بها المؤرخ المراكشي، مع تحفظه، ليقرر أن البناء توقف بموت يعقوب المنصور، وأنه لا ابنه ولا حفيده أتم البناء، وأن المسجد كان غير تام سنة 621 وهي السنة التي كتب فيها المؤلف كتابه، كل هذا كان من شأنه أن يلفت انتباه السيد ديولافوا. غير أن هذا العالم الأثري كانت قد استحوذت عليه حينئذ حفرياته الأثرية. كان يعتقد كما يقول «بأنها (أي النصوص السابقة) تدل على إنهاء المسجد» ولذلك لم يبق له إلا أن يشكك في شخصية مؤلف المعجب وأن يخلط بين الأزمنة ويرد شهادة رجل يمتاز عليه «بالمشاهدة العيانية» وكان قد شاهده غير تام.» وهذا ما كتب هو نفسه قائلا .. «يبدو أن معجب عبد الواحد المراكشي نقل بكل بساطة فقرتين من روض القرطاس المشار إليه. وفي الواقع يذكر هذا المؤلف التاريخي، وهو يسجل تاريخ ملك يعقوب المنصور، يذكر المسجد والمنارة مرتين. فهو يقول في المرة الأولى .. «وكان لما جاز (يعقوب المنصور) إلى الأندلس لغزوة الأرك المذكور أمر ببناء (هذا وذاك) ... مدينة رباط الفتح من أرض سلا وببناء جامع حسان ومناره». (*) ثم يكتب قائلا في موضع آخر، وهو يستعرض الأحداث الرائعة التي وقعت في عهد الموحدين ما يلي .. «وفي سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بنى رباط الفتح وتم سوره وركبت أبوابه، وفيها بنى جامع حسان ومناره فلم يتم» (*) أن الجزء من الجملة الذي أشرت إليه، يتابع السيد ديولافوا، المكتوب بالمفرد، يمكن أن يفهم بالعربية أيضا بالجمع، وعلى هذا الشكل أيضا فهمه مؤلف المعجب.» (*)

كل هذا جيد جدا. وقد يكون من الجائز أو من الواجب أن تقرأ فقرة روض القرطاس (وقد قرأها مترجمة إلى الفرنسية السيد بوميي (*) «جامع حسان ومناره» بالجمع)، كما قرأها السيد ديولافوا. لكن مع الأسف، فإن عبد الواحد المركشي كان يعيش كما هو معلوم في سنة 621 (1222م)، وفي هذا التاريخ كتب كتابه بوصفه مشاهدا عيانيا (*) للحوادث، بينما كان يعيش أبو محمد صالح بن عبد الحليم في سنة 726 هـ، هو التاريخ الذي كتب فيه كتابه الجميل روض القرطاس. فلو كان لأحدهما أن ينقل عن الآخر، لكان الناقل بكل تأكيد، الذي عاش منهما بعد الآخر بأكثر من مائة سنة.

لم يلاحظ السيد ديولافوا ذلك. فهو يتابع قائلا .. «وغير ذلك تماما تأويلات مؤلف كتاب القرطاس ومحمد بن عبد السلام الرباطي في تاريخ العلويين، ومحمد بن علي السلاوي في كتاب القطاف،

*) المعجب. نفس المرجع السابق.

*) نشرت الترجمة سنة 1850.

*) شاهد عيان كان صديقا لأكثر حفدة عبد المومن في عهدي الرابع والخامس من أمراء الموحدين.

*) روض القرطاس، طبع أوبسالا، ص 150.

*) روض القرطاس، طبع أوبسالا، ص 179.

*) عبارة «فلم يتم» تعود على الجامع لأن المنار معطوف عليه. ويمكن فهم عدم إتمامها معا من المعنى لا من اللفظ، إذ لو كان المنار أتم لنص عليه المؤلف. ومن الواضح أن هذه العبارة «فلم يتم» لا يمكن أن تدل على الجمع في هذا المقام كما توهم الباحثون الفرنسيون. وربما أوقعهم في الخطأ، أن الفرنسية لا تحتوي على صيغة المثنى. إذ لو أراد مؤلف القرطاس الدلالة على أن الجامع والمنار لم يتما كلاهما وأراد أن يعبر عن ذلك بصريح العبارة، لاستعمل المثنى عوض المفرد (لا الجمع) وقال ... «فلم يتم» - المعرب

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٥٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٥٠٤