تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أكبر في وقته من جامع قرطبة، وأكبر أيضا وهو في خرائبه من مساجد دمشق والقاهرة والمدينة. وفي الحق أن هذا السكوت يكون فيه ما يدهش لو أن مسجد حسان قام فيما قبل ولو ساعة واحدة بالدور الذي يفترض السيد ديلافوا أنه قام به. فهو يورد النصوص من التواريخ التي اعتمد عليها ليقيم الدليل على إتمام البناء. وهو يعرض هذه النصوص ويقرب فيما بينها. سنتابعه الآن سطرا بسطر في تحليله.

يقول السيد ديولافوا، ((كل التواريخ التي راجعت متفقة على أن مسجد حسان هو من أعمال الأمير يعقوب المنصور بن فضل الله، ثالث خلفاء الموحدين. وليست هذه النقطة موضع خلاف.

لكن بينما يدعي مؤلف روض القرطاس أن يعقوب المنصور أمر ببنائه في الوقت الذي كان ذاهبا فيه إلى الأندلس للقيام بمعركة الأرك، أي في سنة 590 و591 من الهجرة (1194 أو 1195 للميلاد)، فإن عبد الواحد المراكشي في المعجب يقول بأن الأعمال في المسجد قد توبعت بدون انقطاع طيلة ملك أبي يوسف (يعقوب المنصور)، وبالتالي فهو يرجع تأسيس المسجد إلى سنة 580 للهجرة (1184م)، أي إلى عشر سنين من قبل (*).

هذا تأويل للنصوص موافق للفكرة التي سيدافع عنها السيد ديولافوا، أي أن المسجد والصومعة ((عملان منبثقان عن وحيين مختلفين)) كما يقول. وهذا جائز. ((وأن المسجد مدرسة سابقة لتلك التي يمكن إرجاع البرج إليها)). وهذا جائز أيضا، على شرط ألا تكون لهذه المدارس علاقة ((بالعدوة))، وأن إنجاز المسجد سابق على أول حملة قام بها يعقوب المنصور لإسبانيا بينما الصومعة لاحق عليها)).

وهذا غير مستحيل ولكن مشكوك فيه.

أما مؤلف روض القرطاس فيتحدث بتجرد، قائلا .. ((ولما تمت له البيعة وإطاعته الأمة، كان أول شيء فعله أنه (صنع وصنع .. ) ... وحصن البلاد وضبط الثغور.)) ويقول بعد ذلك ((وكان لما جاز إلى الأندلس لغزوة الأرك المذكورة أمر ببناء مدينة رباط الفتح من أرض سلا وببناء جامع حسان ومناره.)) *

وهاك ما يقوله عبد الواحد المراكشي، ((ولما استوثق أمره، (بعد توليه الملك) عبر البحر بعساكره (كان في إسبانيا عند موت والده)، وسار حتى نزل مدينة سلا، وبها تمت بيعته ... ثم شرع في بناء المدينة الكبرى التي على ساحل البحر ونهر (الرباط) وكان هو الذي اختطها ورسم حدودها وابتدأ في بنيانها فعاقه الموت المحتوم عن إتمامها. فهل يخالف هذا النص ((روض القرطاس)) الذي يقول ((ولما تمت له البيعة ... حصن البلاد وضبط الثغور))؟ كلا، كما يبدو. وهذه هي الفرصة التي يمكن افترضها، أن المنصور وضع فيها مخطط الرباط ((وشرع في البنيان)) ويتابع المراكشي ولكنه، بكل وضوح، لا يشير إلى الحوادث المعاصرة لتقلد المنصور الحكم، ولكن إلى مجموع الأعمال المنجزة في عهده في أوقات غير محددة، تلك التي ((عاقه الموت عن إتمامها)). وقد كتب يقول ملقيا بنظرة واحدة على عهد المنصور .. ((إلى أن أتم سورها، وبنى فيها مسجدا عظيما كبير المساحة ... )) كلا، لا يمكن أن نستنتج من هذا النص المكتوب سنة 625، أن الأعمال في مسجد حسان قد شرع فيها منذ بداية عهد يعقوب المنصور. وينتهي النص على الشكل الأتي .. ((ولم يتم هذا المسجد إلى اليوم ... وإما المدينة فتمت في حياة أبي يوسف

* ((المعجب))، طبع القاهرة، تحقيق سعيد العربان ومحمد العربي العلمي، ص 265 و 266.

* ((الأنيس المطرب روض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس)) للشيخ أبي الحسن علي بن عبد الله بن أبي زرع الفاسي وقيل لأبي محمد صالح بن عبد الحليم الغرناطي. ص. 154 و 163 من طبع فاس (بدون تاريخ)، وأنظر طبعة أو بسالا (بالسويد)، ص 150، حققه ونشره مع ترجمة إلا اللاتينية المستشرق السويدي كارل يوحنا تيورنبرغ سنة 1823.

ملاحظة: جميع الإحالات على المراجع العربية هي للمعرب.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٥٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٥٠٢