تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بالسبع المثاني فأصدر حفظه الله ووفقه أمره الشريف لوزارة عموم الأوقاف الإسلامية بتأسيس بناء مساجد أخرى في جميع أنحاء مملكته الشاسعة الأطراف وإصلاح ما افتقر مما كان موجودا منها بواسطة وزيرها الحالي الفقيه الأرشد الغيور الأسعد سيدي الحاج أحمد بركاش الرباطي فقام بعملية البناء والإصلاح يوالي جهده وعنايته واهتمامه في الغدو والرواح لإنجاز تلك الأوامر المولوية الشريفة طبق التعليمات الملكية المنيفة، فكان من حظ المسجد المتحدث عنه أن أدخلت عليه في هذه السنة 1381 تحسينات مهمة كإعادة تجبيصه ودهن جميع سقفه وتسقيف مقصورته وإحداث أبواب زجاجية لأقواس صحنه الخارجي لوقاية المصلين من ضرر البرد وشدة الرياح وغير ذلك، أبقى الله مولانا ذخرا لهذه الأمة المغربية المتعلقة بأذياله ووقاه كيد الكائدين وشرور بعض الملحدين وحسد الحاسدين، وأدام وجوده حتى يحقق لهذا المغرب العزيز ما يصبو إليه من أعمال الخير والسعادة والرفاهية والازدهار.

ومسجد له هذه الأهمية بين مساجد المدينة ويحظى بتلك العناية من الملوك المتعاقبين كان طبيعيا ـ في وقت اتخذت فيه المساجد مدارس ـ أن يلعب دوره الأكبر في نشر العلم والعرفان، فتوارد إليه المتواردون، وارتوى من معينه الطلبة المتعطشون، وقصد حلقاته من هم إلى المعرفة متشوقون، فتخرج منه علماء أكابر، وأساتذة انجلت بنورهم الدياجر، وتفتحت بهم البصائر.

فما كانت تقوم به مدينة سلا وقتئذ في الميدانين الثقافي والروحي من العسير استقصاؤه في هذه العجالة سواء بالنسبة لعلماء تلك العصور وما قاموا به من بث روح ثقافتهم المفيدة أو بالنسبة لأدبائها وصلحائها وأشرافها وفضلائها، فإنها قد أفردت بالتأليف الكثير وحلى بها السادات المؤرخون كتبهم القيمة في كل عصر منها، ويكفي ما كتبه في آخر عصر من عصورها العلامة الأشهر والمؤرخ الأكبر سيدي أحمد بن خالد الناصري السلاوي في كتابه "الاستقصاء في تاريخ المغرب الأقصى"، وما قام بها بعده تلميذه الفقيه الأديب المؤرخ سيدي محمد بن علي الدكالي السلوي في كتابيه "الإتحاف الوجيز" و"حدائق الأزهار" وغيرهما مما يدل دلالة قطعية على أن سوق الثقافة بسلا كان حافلا زاهيا رائجا رابحا لم يركض زلال معينه ولن يرجع القهقري في أي زمن من أزمانه، ونظرا لرغبة الراغبين وإتحافا لأسماع من لا يزالون ظاهرين اخترت أن أذكر نبذة وجيزة من أعيان علماء هاته المدينة العاملين وجهابذتها المحققين تبركا بذكرهم واستنشاقا نعرف باقة فنون أزهارهم الدالة على علو كعبهم وعظيم مقامهم وعرفانهم مما يعطي صورة عما كانت عليه الثقافة في تلك الأزمنة بسلا مقتصرا على بعض الأعلام منهم فقط مبتدئا بعميدها أبي العباس أحمد بن قاسم بن عشرة، باني المسجد الأعظم وهو المترجم له صدر هذه الكلمة، وثانيهم الشيخ الكبير والعلامة الشهير سيدي عبد الله اليابوري الأندلسي الأصل السلوي المقر الرباطي المدفن، كان رحمه الله على قدم كبير من المعرفة بالله، أخذ عن شيوخ أعلام ومحققين عظام، ورد من بلدته يابورة إحدى مدن الأندلس وحل بمدينة سلا واستوطنها، وقد ذكر له العلامة الفقيه أبو العباس أحمد بن عاشر الحافي أبياتا يتشوق فيها إلى بلدته يابورة تدل على عظيم مكانته في الأدب والشعر وطول باعه فيهما مطلعها:

سل البرق إذ يلتاح من جانب البلقا أقرطى سلمى أم فؤادي حكى خفقا

ولم أسبلت تلك الغمامة دمعها أريعت لوشك البين أم ذاقت العشقا

غريب بأ قصى الغرب مزق قلبه فآوت سلا فرقا ويابورة فرقا

إذا ما بكى أو ناح لم يلف مسعدا على شجوه إلا الحمائم والورقا

ومنها:

حياء يغض الطرف إلا عن العلا وعرض كماء المزن في الخرق بل أنقى

وفضل نمير الماء قد خضر الربا وعدل منير النجم قد نور الأفقا

بلغنا بنعماك الأماني كلها فما بقيت أمنية غير أن تبقى

توفي رحمه الله برباط الفتح في أوائل المائة السابعة، وضريحه بظهر العلو، معلوم.

ومنهم الفقيه العلامة الشيخ المقري أبو الحسن علي بن موسى بن إسماعيل المطماطي ذكره سيدي يحيى السراج في فهرسته من مشايخ أشياخه في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٤٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٤٩٣