دعوة الحق، س.6، ع1 /أكتوبر 1962 .................... ص 43
نبذة تاريخية عن المسجد الأعظم بمدينة سلا
للأستاذ: محمد بن عمر العلوي
في الربوة العليا من مدينة سلا المشرفة على البحر المحيط من جهة، وعلى وادي أبي رقراق من جهة أخرى يوجد المسجد الأعظم الذي أسس بناءه عيون أعيان سلا بنو القاسم بن عشرة وذوو الصولة بها صدر المائة الخامسة الهجرية جوار دورهم وقصورهم عام 420 وذلك على عهد دولة مغراوة التي خلفت دولة الأدارسة بعد تطهير المغرب من البرغواطيين، وكانت تلك الربوة قبل أن تعرف بطالعة سلا تسمى حومة الجامع، وبها كانت دور بني العشرة كما كانوا يعرفون بالعشريين حسبما في كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار وهو مجموع مفيد.
وكان من جملة قصور بني العشرة القصر الشهير الفخم الذي بناه أبو العباس أحمد بن القاسم بن عشرة والذي قيل إنه كان من أعجب المباني وأحسنها وأنزهها، قيل لما أكمل بناءه هنأته الشعراء ومدحته ودعت له، ووافق إتمام بنائه أن دخل سلا الأديب الشاعر آخر فلاسفة الإسلام بالأندلس الحكيم أبو الحسن علي بن الحمارة ولم يكن أعد شيئا ففكر قليلا وأنشد:
يا واحد الناس قد شيدت واحدة فحل فيها حلول الشمس في الحمل
فما كدارك في الدنيا لذي أمل ولا كدارك في الأخرى لدى عمل
وقد صار هذا القصر بعد بانيه منزلا لملوك الموحدين وخصوصا عبد المومن، فإن غالب نزوله كان به كما في كتاب حدائق الأزهار للمؤرخ الشهير السيد محمد بن علي الدكالي السلاوي الذي قال إنه لا يعرف لهذا القصر اليوم بسلا عين ولا أثر، والظاهر أن بمحل هذا القصر بنيت المدرسة المرينية مستدلا على ما استظهر بالعثور على جدار عتيق يجاور المدرسة المذكورة غربا يتراءى من قدمه أنه كان لدار قديمة جدا قبل بناء المدرسة بكثير، وصورة باب تلك الدار شاهقة في الجو يغلب على الظن أن ذلك من بناء القصر المذكور.
وأبو العباس أحمد بن القاسم بن عشرة هذا هو واسطة عقد هذا البيت وواحد فخرهم الذي طبق ذكره الآفاق فاشتهرت مزاياه حتى بلغت الشام والعراق إذ كان مقصد الوراد وبغية القصاد، لا يمر فاضل إلا عرج على مثواه فيظهر له من الاحتفال والاحتفاء فوق هواه. وقد ذكره الفتح ابن خاقان في قلائده، وشهرة بني القاسم ببني عشرة ـ كما ذكر عدد كثير من الفضلاء البررة ـ أنهم ولدوا من بطن واحد فاشتهر عقبهم بذلك كما نص عليه صاحب الحدائق مع بيان مزيد لذلك، ولم يعرف تاريخ لوفاته وإنما كان في أوسط القرن السادس الهجري والله أعلم. ثم قامت بعد بني العشرة دولة الموحدين وملكها السلطان الأعظم ذو المزايا الكثيرة والغزوات الشهيرة أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي، فجدد بناء المسجد المذكور عام خمسمائة وثلاثة وتسعين فأصبح من مساجد الإسلام العظام ومن أكملها حسنا وأحسنها شكلا وأفسحها مجالا وأنزهها منظرا، قال المؤرخ عبد المنعم الحسيدي: كان يعمل في بنائه ونقل حجارته وترابه في عهد الملك المذكور 700 أسير من أسرى الفرنج في قيودها، وبنى يعقوب رحمه الله لهذا المسجد مدرسة تجاوره من جهة الجوف وميضاة تسامتها وأجرى لها الماء الذي جاء به من عيون البركة التي بغابة المعمورة على مسافات من مدينة سلا حتى