وتبلغ أعمدته حوالي أربعمائة، كما كان عدد أبوابه 16، ستة منها في الجانب الغربي وأربعة في الجانب الشرقي واثنان جنوبا وأربعة في الجانب الشمالي.
على أن تساقط أعمدة الجامع سنة 1755م ثم إعادة وضعها في عهد الحماية الفرنسية قد يثير بعض الشك في التصميم الأصلي لأعمدة المسجد. ولعل هذا هو السبب في عدم تناسق قطعها تناسقا تاما.
ولا يعرف ما إذا تم تسقيف بعض أجزاء المسجد، لأن وجود بعض آثار القرمود لا يدل بالذات على أن المسجد قد سقف فعلا، ولكنه على كل حال قد تعرض لأحداث أحالته أطلالا، فإن أبوابه الستة عشر والتي تم تركيبها في عهد المنصور نفسه حفظا لسير العمل داخل الجامع، قد اقتلعت عن آخرها، كما اقتلعت أو سرقت على الأصح أخشاب أخرى كانت معدة للتسقيف وغيره. وهكذا ففي عهد الدولة الموحدية نفسها وفي فترة احتضارها عمد السعيد الموحدي الذي كان عليه أن يحافظ على هذا الأثر المبارك من آثار أجداده، إلى أخشاب المسجد وأبوابه فصنع منها أجفانا سنة 641 هـ، فما لبثت أن احترقت بنهر أم الربيع، وبذلك فسح للعامة مجال النهب والسلب ليسطوا على بقية هذه الأخشاب التي كانت من أشجار الأرز. وتوالى السطو أيام المرينيين ثم السعديين بل حتى أيام العلويين عهد السلطان عبد الله بن إسماعيل حيث صنع القراصنة من سلا والرباط سفينة من أخشاب الجامع المذكور وسموها بسفينة الكراكجية ثم انتزعها منهم السلطان محمد بن عبد الله.
ولم تكن أحداث الطبيعة بأرحم من الناس على هذا الأثر، فقد كان زلزال لشبونة 1169 (1755م) الذي عم أثره بعض أنحاء المغرب خصوصا مكناسة والرباط، سببا في سقوط عدة أعمدة وأطراف من السور والمنار، كما تهدمت عدة منازل من الرباط، ثم تلا هذا الزلزال حريق عظيم أتى على ما بقي من أخشاب المسجد التي تحولت رمادا، وكان للأمطار ورطوبة البحر وتقلبات الجو أثرها أيضا على هذا البناء الأثري حتى استحال الجانب المطل على نهر أبي رقراق من المنار رماديا كما يبدو ذلك حتى الآن.
أما محراب المسجد فيبلغ ثلاثة أمتار عرضا وثلاثة طولا. ولكن لم يبق منه إلا مكانه الذي تهدم أعلاه.
ويحيط بالمسجد سور عظيم يبدو من جهة المحراب مزدوجا، بدليل أن بعض أجزاء هذه الجهة قد سقط منها السور الداخلي، وبقي السور الخارجي مائلا.
وقد عمل في هذا المسجد سبعمائة أسير من أسارى الإفرنج مثل كثير من المساجد الأخرى بالمغرب. وقد وصفه صاحب الروض المعطار بأنه من أعظم مساجد الإسلام وأحسنها شكلا وأفسحها مجالا وأنزهها منظرا.
أما المنار فقد كان يقابل المحراب في خط مستقيم بخلاف أكثر المنارات في المساجد المغربية الأخرى التي تنزوي عادة في أحد الركنين من الجدار المقابل لجدار المحراب. ومن شأن هذا التصميم أن يضفي على الجامع طابعا هندسيا بديعا. ويبلغ كل جانب من المنار 16 مترا عرضا. أما ارتفاعه فيبلغ 65 مترا ولكنه لو تم لبلغ علوه حسب تقدير بعض الخبراء 80 مترا.
وأهم المميزات المعمارية في هذا المنار بناؤه من حجر صلد نضدت أجزاؤه بعناية بالغة ثم اختيار موقعه من أمتن البقاع وأقدرهما تحملا لثقل هذا البناء الشامخ. وليس من المستبعد أن تكون أحجار المنار قد اقتطعت من محاجر تقع بالرباط نفسها.
أضف إلى هذه المميزات أن الصومعة سهلة الارتقاء بسبب الدرجات المنبسطة التي كانت ترقاها الدواب حاملة أدوات البناء من حجر وطين وغيره.
ولولا هذه المتانة التي تميز بناء المنار لتداعى على أثر الزلزال المشؤوم سنة 1755م.
ويكاد يستحيل أن نأخذ نظرة حقيقية عن الفن الزخرفي الذي يتميز به هذا الجامع الكبير، ولكن العنصر الفني الموحدي تتمثل كثير من مظاهره في المنار نفسه. فالعقود المتجاورة التي نحتت على كل من جدران المنار تزينها المقرنصات التي يرجع اتخاذها بالمغرب إلى عهد المرابطين ولكنها تتطور بعدهم مع تعاقب الدول حتى تتخذ أشكالا مختلفة من نصف دائرية ومعقوصة ومزدوجة الخ. أما المعينات المقرصنة بدورها فتمثل بداية لدخول هذا الشكل الهندسي في مختلف العناصر الزخرفية في فن البناء وغيره منذ