دعوة الحق، س.6، ع1 /أكتوبر 1962 .................... ص 39
مسجد حسان
للأستاذ: إبراهيم حركات
هذا المسجد العظيم من بناء المنصور الموحدي الذي كان مغرما كسلفيه بمظاهر العظمة وأسباب الحضارة العمرانية.
واختيار هذا المسجد الذي تتجاوز مساحته 2550م 2 بمدينة الرباط ليكون أكبر مساجد المغرب وليداني أكبر مساجد الشرق مساحة وفخامة بناء، يدل على أن الموحدين كانوا يرغبون في أن يتخذوا من الرباط مدينة كبيرة تخلف في أهميتها مدينتي فاس ومراكش، عاصمة الدولة. وبالرغم من العناية التي بذلها كل من أبي يعقوب وأبي يوسف في إنشاء مدينة كبيرة بكل مرافقها لتخلد بذلك اسم الدولة الموحدية، فإن الرباط في الواقع لم تعمر بقدر ما كان يأمله منها أبو يعقوب وخلفه. والظاهر أن هذا الاعتبار من أهم الأسباب التي أوقفت حركة البناء في هذا الجامع بالإضافة إلى موت المنصور قبل تتميمه وإلى أنه كان يستنفد موارد الدولة مع المرافق الأخرى للرباط.
ولقد أغرم كل من عبد المومن وخلفيه بموقع سلا والرباط، مما حبب إليهم جميعا المقام عدة مرات بسلا وهم في زحفهم إلى الأندلس. وكانت ناحية سلا يومئذ تتوفر على بساتين كثيرة بفضل مهاجرين من بني يفرن تواردوا عليها من إفريقية أيام زحف القبائل العربية، وكان لهم أكبر الفضل في تعليم السكان المحليين في غراسة البساتين.
ونسبة المسجد إلى حسان يحيط بها الغموض، ولكن أرجح الروايات تذكر أن حسان مهندس أندلسي وضع تصميم المسجد والمنار وأشرف على بناء ما شيد منه. ولا يتيسر من المصادر ما يؤكد أن حسان هذا قد شارك في تصميم وبناء مساجد أخرى بالمغرب.
ولكن يستنتج من التاريخ السياسي للموحدين أن جامع حسان كان يبنى في نفس الوقت الذي كانت تبنى فيه جوامع أخرى كجامع الطالعة بسلا وجامع القصبة والكتبيين بمراكش وجامع الخيرالدة بإشبيلية ويبلغ طول المسجد 183م و 139,40م عرضا. كما تبلغ مساحة قاعة الصلاة وحدها أزيد من 1932 متر مربع أي 139 x139 وهي مساحة غير معهودة في قاعات الصلاة بالمساجد الأخرى.
وليس للمسجد صحن واحد كباقي المساجد المغربية بل له صحن كبير قرب المنار وصحنان جانبيان ووسطه كله تشغله الأعمدة التي تتفاوت علوا من 3,25م إلى 6,50م، وتتميز البلاطات المقاربة للأسوار بعلو أعمدتها المستديرة الشكل. على أن استدارة الأعمدة كلها أمر غير عادي في عامة مساجد المغرب. ولضمان متانة السقوف، فقد اختيرت الأعمدة من الحجر والرخام الذي لا يعرف بالضبط مصدره ولكنه مجلوب من خارج الرباط. كما أن كل عمود يتكون من عدة قطع كثير منها غير منسجم انسجاما تاما ولكن لا يبعد أن تكون نية المصمم قد اتجهت إلى تلبيس أو زخرفة هذه الأعمدة فيما بعد، وإن كان من المعتاد لدى الموحدين وسابقيهم المرابطين الاهتمام بعنصر الضخامة والبساطة أكثر من الاهتمام بعنصر الزخرفة.