تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكبير (العتيق) بشفشاون عدة مساجد وزوايا: كمسجد أبي خنشة، ومسجد ريف الأندلس، ومسجد السوق، ومسجد الصبانين، ومسجد العنصر .. ومن الزوايا - وقد تكاثرت في القرنين الثاني عشر والثالث عشر - الزاوية الناصرية، والزاوية التليدية، والزاوية الجيلانية، والزاوية الدرقاوية، وكان لكثرة هذه المساجد والزوايا - على صغر المدينة - أثرها القوي في الروح الدينية التي سادت هذه المدينة حتى صارت تعرف - فيما بعد - بالمدينة الصالحة، والجامع الأعظم - على الخصوص - ومعه المدرسة التي كانت بمثابة قسم داخلي له قد أدت مهمة مزدوجة، روحية وثقافية، دينية وفكرية، ويأتي في الرعيل الأول من الذين خلقوا الحركة الفكرية بهذه الديار، وبذروا البذور الأولى في أجوائها أبو عبد الله محمد بن عرضون 1012 ومن تلاميذه الأبرار أبو العباس أحمد بن الشريف العلمي المتوفى سنة 1027، الذي يعتبر المؤسس الحقيقي لهذا المعهد الإسلامي، وكان الجامع للدراسة والمدرسة لسكنى الطلبة، فكنت ترى حلقات الدروس تلقى هنا وهناك، وفي كل زاوية من زوايا الجامع كان يجلس الشيخ فيلتف حوله الطلاب، ويلقي عليهم دروسا في الفقه والعربية والدين، على اختلاف طبقاتهم ومستوياتهم ويحدثنا أبو حامد الفاسي عن الدور الهام الذي قام به أستاذه أبو العباس بن الشريف العلمي، في حقل التعليم وفي ميدان الوعظ والإرشاد، بمعهد الجامع الكبير بشفشاون فيقول: (ولي أبو العباس خطابة الجامع الأعظم، فحسن موقعه من قلوب الخاصة والعامة، حسن بيان، وفصاحة لسان، ومراعاة ما يليق بكل زمان، وقام بحق تلك الخطة أحسن قيام، وشهد الجميع بأنه لم يتقدم مثله هناك خطيب ولا إمام .. وكان أبو العباس يدرس في الفقه وغيره، وانتفع به خلق كثير .. ) وكتب إليه أستاذه الشيخ القصار ينوه بمدرسته الجديدة في شفشاون، ويثني على جهوده وإخلاصه، ويبدي رأيه في المنهاج الدراسي، الذي عرضه على أنظاره فيقول: (وفرحت غاية الفرح بختمك الصغرى فطالع كتب الشيخ السنوسي السبعة، وكتاب ابن مالك: الفوائد المحوية في المقاصد النحوية، فيه ما في الكافية، وأعجبني إقراؤك الرسالة، وفرحت به. لا سيما إذا اقتصرت على المحتاج إليه، وختمتها سريعا، وكذلك إقراؤك الخراز فقد أعجبني كثيرا، واعتمد على ابن أجطا فإن نقله صحيح جدا، وكثير من شروح الخراز فيه تحريف، نفعك الله، ونفع بك .. ويشير الشيخ القصار في غضون كلامه إلى روح العلم، والطموح الفكري الذي كان عليه أبو العباس فيقول: وإذا رأيت تأليفا لم تتحقق أني رأيته، فأعلمني به والمراد أن الإنسان يموت طالبا للعلم .. والسلام (*)، وبلغ من اهتمام الإمام القصار بهذه المدرسة، أن كتب إلى الشيخ ابن ريسون بجبل العلم، يحثه على أن يبعث بأولاده إلى مدرسة شفشاون، فيقول: ( .. والله والله فيهم في طلب العلم، وعندكم اليوم ابن عمكم سيدي أحمد .. فقيه جليل، ولكم فيه عون) (*) ويمكن أن نستنتج من النصوص السابقة أن المواد الدراسية التي كانت تدرس بمعهد الجامع الكبير بشفشاون في القرن الحادي عشر هي كما يلي: (1) العربية: بألفية ابن مالك: شرح المكودي أو المرادي. (2) التوحيد: بصغرى السنوسي وشروحها. (3) الفقه: برسالة ابن أبي زيد وشرح أبي الحسن. (4) التجويد والقراءات: بكتاب الخراز وشرح ابن آجطا ...

وقد تخرج من هذا المعهد علماء كان لهم صدى بعيد في ميدان العلم والثقافة، وفي ميدان التأليف والكتابة كأبي العباس بن الشريف العلمي ت. 1027، وله مؤلفات منها حاشية على الصغرى، وجزء في نقل الميت من قبر إلى قبر، وجزء في أنساب العلميين .. ومقيدات في الفقه والأحوال، والعربية والطب والتاريخ وما إلى ذلك ..

وكأبي الحسن بن علي بن الشريف العلمي، صاحب النوازل المشهورة المتوفى 1126 هـ وغيرها كثير، وكان بين أساتذة جامع شفشاون، وشيوخ القرويين صلات علمية وثيقة ووشائج قربى ومودة، وكان أكثر علماء شفشاون يتخرجون من جامعة فاس، وإن درسوا أكثر العلوم في غيرها، فلا بد أن يتبركوا بها، ومع ذلك فقد كان هؤلاء العلماء يعتزون بآرائهم وأفكارهم، ويناقشون علماء فاس مناقشة الند للند، وكانت بينهم مساجلات ومناقضات تشتد أحيانا وتخف أخرى، ونجد صورا منها في كتب التاريخ والفقه، وتقرأ نماذج من هذه الأبحاث العميقة، والردود ?

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*) مرآة المحاسن ص 70 - 171

*) نفس المصدر ونفس الصحيفة 170

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٤٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٤٨١