القوية لأبي محمد الهبطي المتوفى 963 هـ وأبي العباس ابن عرضون المتوفى 992 هـ وأخيه أبي عبد الله ابن عرضون في كتاب مرآة المحاسن لأبي حامد الفاسي ونوازل الشريف العلمي، على أن كثيرا من علماء شفشاون والبادية تولوا التدريس بفاس، وتلمذ لهم أبناء فاس كأبي العباس ابن الشريف العلمي فبعد أن تعلم بشفشاون مسقط رأسه انتقل إلى فاس، وأخذ عن شيوخها، وتولى الإقراء بها، ومن تلاميذه أبو حامد محمد العربي الفاسي ت- 1052 هـ.
وقد توارث الشرفاء العلميون الخطابة والتدريس بجامع شفشاون كما تعاقبوا على ولاية القضاء بشفشاون منذ أوائل القرن الحادي عشر الهجري، وكان أول قاض منهم أبو العباس ابن الشريف العلمي، وكان قبل ولايته القضاء خطيبا ومدرسا كما سبق، وتذكر بعض الوثائق الوقفية أن الأحباس كانت تساعده على الخطابة التي كانت له فيها صولة وجولة بعشر أواق (*)، ومن الذين تولوا التدريس والخطابة بالجامع الأعظم بشفشاون أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الشريف العلمي وكان بتاريخ 1088 قاضيا على شفشاون، وأبو مهدي عيسى بن علي الشريف حفيد أبي العباس الشريف وهو من أهل القرن الحادي عشر، وأبو الحسن علي بن عيسى الشريف العلمي النوازلي المشهور المتوفى سنة 1126، وأبو العباس أحمد بن محمد بن عبد السلام العلمي كان بتاريخ 1232 قاضيا على شفشاون. وتذكر بعض المصادر من الذين تولوا التدريس بالجامع الكبير القاضي أبا عبد الله محمد الحوات وولده الأديب سليمان الحوات والقاضي عبد الكريم الحضري والقاضي عبد الكريم الورديغي ومحمد العربي الريسوني وعبد القادر الورديغي الرحالة المشهور، وكانت هناك أحباس الرسالة وأحباس البخاري وأحباس التوريق بين العصرين وما إلى ذلك، وكانت العادة - إذا دخلت الأشهر الحرم - أن يقوم كبار العلماء بتدريس البخاري بالجامع الكبير ومن الذين درسوا البخاري بالجامع الأعظم أبو الحسن علي بن الشريف العلمي، وكانت هناك نسخة من صحيح البخاري بخزانة الجامع تعرف باسمه ويتبرك بها في الأزمات، وجاء بعده أبو العباس أحمد بن الشاهد العلمي كان في سنة 1177 قاضيا على شفشاون، ودرس صحيح البخاري بعدهما العالم الأديب أبو محمد عبد الملك الخيراني الورديغي صاحب القصيدة المشهورة في مدينة شفشاون، تولى قضاء شفشاون وكانت بينه وبين العلميين منافسات ومشاذة، توفي سنة 1209 هـ، ومن المدرسين البارزين في الطبقة الأخيرة أبو عبد الله محمد الغالي بن الشاهد العلمي المتوفى سنة 1348 هـ وسبق أنه دفن بصحن المدرسة وفي سنة 1350 أدخلت إصلاحات هامة على جامع شفشاون، وكتب على لوحة فوق باب الجامع الكبير فيها ما يلي: الحمد لله قام بإصلاح هذا المسجد باشا المدينة الشريف عبد الوافي البقالي في عهد الخليفة الحسن بن المهدي في رمضان عام 1350 هـ وكان قاضي شفشاون في هذا التاريخ الحسن بن أحمد العلمي وهو آخر القضاة العلميين بهذه المدينة.
وفي سنة 1355 أصلحت المدرسة إصلاحا كاملا وزيد في غرف الطلبة، وأحدث في الطابق الأعلى مكتبة نقل إليها بعض ما تبقى من كتب الأحباس بمساجد شفشاون، ومن هذا التاريخ أصبح الجامع الكبير بشفشاون معهدا دينيا خاضعا لنظم وقوانين جديدة، وعلى رأسه مدير وموظفون وأساتذة رسميون تدرس فيه أقسام الابتدائي والثانوي وتسير فيه الدراسة بصفة منتظمة، في كل بلاط فصل أو فصلان ... والطلبة حلقات على الطريقة القديمة ..
ومنذ عهد الاستقلال بدأت الدراسة تختفي من المساجد، وتنتقل من الجوامع تدريجيا، ولا تزال بعض الفصول تدرس بهذا الجامع إلى اليوم، والمدرسة كقسم داخلي لسكنى الطلبة تابع لإدارة المعهد الديني. وهكذا ظل جامع شفشاون - طيلة أربعة قرون وربع قرن - المورد العذب، والمنهل الصافي، يرده الطلاب، ويكترعون من حياضه ومناهله، وقد وقف كالجبل الشامخ، يصارع الزمان، ويؤدي رسالته الخالدة، ?
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*) الحوالة ص 107 وثيقة 73 - مصحف جزء لي.