تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عبد السلام، وينفتح في الجدار القبلي للجامع بابان أحدهما على يمين المحراب، إلى المقصورة، والآخر على يساره إلى الصحن ويتوسط الجدار الشمالي مصلى النساء، وفي الإصلاح الأخير للجامع سد باب هذا المصلى، وجعل مكانه فوارة (خصة) للوضوء وقطع المصلى من المسجد وصار مع الأسف حانوتا لإسكافي، على أنه حجز النصف الشمالي من البلاط الأول لصلاة النساء بحاجز خشبي مما جعل المسجد يفقد شكله الهندسي، وصورته الفنية، وكم نود أن تكون هذه الإصلاحات التي تقام بالمساجد والزوايا تحت رقابة خاصة لإدارة فنية لها اختصاصها في الآثار القديمة، والفنون الجميلة، وكم يعز علينا أن يضيع الكثير منها بسبب التهاون والإهمال فمنذ سنتين أو ثلاث سقط جانب من صومعة مسجد (اشرافات) على بعد 35 كلم من شفشاون، وربما كان أقدم مسجد بالمغرب، بناه طارق بن زياد أيام ولاية ياصف بن عبد الملك بن أباد بن عثمان على هذه الجهات أواخر القرن الأول الهجري (*) وقد هدمت الصومعة بالمرة، وأعيد بناؤها على شكل جديد، لا يتفق وصورة هذا المسجد التاريخي، وكم له من نظير؟ وجدران الجامع والمدرسة مبنية بالطبية، وسقفها كباقي دور المدينة بالقرمود الأحمر ومن الداخل بالخشب المنجور المزخرف.

وفي أيام سلطة القائد أحمد الريفي على تطوان وشفشاون وما إليهما (84/ 1090) أدخلت بعض الإصلاحات على المدرسة، وتذكر بعض المصادر الأجنبية أنه في هذا التاريخ نقل إلى مدرسة شفشاون قدر كبير من الزليج والرخام الأندلسي.

وفي عهد ولاية القائد أبي محمد عبد القادر البردون البوفراحي على شفشاون أواخر القرن الحادي عشر، صنع منبر كبير للجامع، وثريا خشبية على شكل هرمي، علقت أمام المحراب، وقد كتب على لوحة بالدرج الأخير من المنبر: (الحمد لله صنع هذا المنبر السعيد سنة 1098 هـ)، وجدد تنميقه سنة 1351 هـ) وكان للقائد الريفي عبد القادر البردون اهتمام زائد بالمدرسة وبالطلبة الساكنين بها.

وفي أوائل المائة الثالثة عشرة، اتسع عمران المدينة، وغدا الجامع الأعظم - وهو الوحيد - لا يكفي بالطبع لمئات المصلين، بل الآلاف، فأحدثت أغطية بجامع الخرازين، ومسجد ريف الأندلس، ومما يلاحظ أن شفشاون منذ هذا التاريخ أصبحت تابعة لتطوان سياسيا، ولم تزل كذلك إلى اليوم إلا في فترات من التاريخ. وفي أيام الناظر محمد بن قاسم شهبون بنيت صومعة الجامع الأعظم بشفشاون، وباع الناظر من أجل إقامتها بعض حوانيت الحبس بالسويقة، وقد استغرقت مدة البناء نحو سنتين، ويقال إن الذي تولى بناء الصومعة هو المعلم العاقل الأندلسي، ولا يزال الأجداد يروون للأحفاد قصته مع ولده الذي أخطأ في شيء من البناء، وقد أشرفت الصومعة على الانتهاء، فلطمه الوالد لطمة ألقت به من أعلى الصومعة فبقي معلقا. وقد أقيمت الصومعة بمكان المئذنة الصغيرة على يسار الباب الرئيسي للجامع إلى جهة الجنوب كما سبق، وقاعدة الصومعة مربعة، ولكنها بعد أن استوت مع سقف الجامع في نحو ستة أمتار صارت مثمنة، وبجدرانها من الخارج فتحة ضيقة تشبه منافذ السهام، الغرض منها مد الدرج بالضوء، وينفتح في وسط المئذنة - إلى جهة الجنوب - باب إلى غرفة المؤقتين، وقد بنيت في الطابق الأعلى من المدرسة، وعلقت بها مجانات (ساعات)، ويلاحظ أن أقدم هذه الساعات يرجع تاريخه إلى سنة 1256 هـ وفي نهاية المئذنة شرفات، ويعلو سطح المئذنة (صار) في نحو خمسة أمتار مثمن كالصومعة وقد صعد معه عمود من حديد تعلق به الرايات التقليدية.

والصومعة آية الفن الأندلسي المغربي، وفي سنة 1255 أدخلت إصلاحات على مراحيض المسجد وجر ماؤها في القواديس إلى الخارج. وكانت هناك خزانة تابعة للجامع، حافلة بالكتب العلمية والدينية، الغرض من تحبيسها القراءة والمطالعة والنسخ ...

وقد لقيت هذه المؤسسات، سواء منها الدينية والثقافية، عناية فائقة من مختلف الطبقات، فكانت هناك أوقاف الجامع، والمدرسة، والخزانة، وكان للإمام والمؤذن والمدرس والخطيب أوقاف، وللطلبة أوقاف، وللقيم أوقاف وهلم جرا ... وقلما تجد عائلة من العائلات أو شخصية من الشخصيات ليس لها وقف على الجامع أو المدرسة أو عليهما معا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*) مجلة النصر - العدد الرابع ص 14 - السنة الثانية.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٤٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٤٧٨