دعوة الحق، س.6، ع1 /أكتوبر 1962 .................... ص 28
جامع شفشاون
للأستاذ: سعيد أعراب
كان القرن التاسع الهجري -الخامس عشر الميلادي- بالنسبة للمغرب، عصر الأحداث والآلام، وعهد التدهور والانحطاط، ففيه سقطت دولة الأندلس (الفردوس المفقود)، وفيه تكالب العدو على شواطئ المغرب، واحتل أهم ثغوره كسبتة وطنجة وما إليهما، ولم يكن هناك حاكم حازم، ولا ملك رشيد، بل كانت الفوضى تضرب أطنابها في طول البلاد وعرضها، وساد الجهل وانتشر الفساد، وضعفت الهمم، واستسلم الناس للخرافات والأوهام.
في هذا الجو المضطرب، وفي هذا الظرف الحالك، قام جماعة الأشراف العلميين، بشمال المغرب، يذبون عن حوزة البلاد، ويطاردون العدو في الجبال والأوهاد، وأسسوا جبهة قوية، يحسب لها حسابها، وظلوا رافعين راية الكفاح نحو قرن كامل، وفي حدود سنة 876 هـ نزلوا بسفح جبل الشاون - والشاون في لغة مازيغ: قرون الجبال-، واختطوا مدينة شفشاون على بعد مسيرة يوم من جبل العلم (مسقط رأسهم) بقصد تحصين المسلمين، ورد عاديات العدو، وكان من أشهرهم ذكرا، وأبعدهم صيتا الأمير أبو الحسن علي بن راشد المتوفى سنة 917 هـ الذي بنى مدينة شفشاون الحالية، وشيد قصبتها، وأوطنها بأهله وعشيرته، ونزل بها الناس فبنوا، وصارت في عداد المدن المغربية (*). ومن هذا الحصن المنيع كان بنو راشد يوجهون إلى العدو ضرباتهم القوية، وهجوماتهم المتوالية، وكانت لهم جولات موفقة في ميدان البطولة خلدت اسمهم إلى الأبد، قال في المرآة ص 86/ 187: (ولم يزل أولاده بها بين سلم وحرب، إلى أن حاصرهم الوزير ابن عبد القادر بن محمد الشيخ بجيوش عمه الخليفة محمد الغالب بالله، وصاحب شفشاون يومئذ الأمير أبو عبد الله محمد بن راشد، فلما اشتد عليه الحصار، خرج فيمن إليه من أهله وولده وقرابته، وساروا إلى أن وصلوا ترغة (من غمارة) ومنها ركبوا البحر يوم تاسع صفر 969 هـ واستقر الأمير بالمدينة المشرفة إلى أن مات بها)، وفي أيام الأمير أبي عبد الله ابن راشد هذا وحوالي منصف القرن العاشر الهجري بنى الجامع الأعظم بشفشاون، بناه الأمير في جملة ما بنى إلى جانب قصبة والده المولى علي بن راشد، وقد كثر الواردون على شفشاون، وهاجر إليها جماعات من الأندلسيين، وقد أمرهم الأمير محمد بن راشد أن ينزلوا فوق ساقية العنصر، حتى لا يضايقوا السكان الأصليين في السقي، وأسسوا حومة خاصة بهم تعرف - إلى اليوم - بريف الأندلس، وكان بالقصبة مسجد صغير، لم يعد يفي بحاجة المصلين، فأصبح الناس في حاجة إلى جامع كبير، ويقع الجامع الأعظم بجنب برج القصبة يفصل بينهما الطريق المار على ربوة عالية تتربع على وطأة الحمام (السويقة) الحومة الأولى للبلد، وتطل على المدينة من سائر جهاتها، وكانت في الأصل موضع (أندر) لرجل من بني جبارة يدعى اللحيح، والجامع يتألف من قسمين: بيت الصلاة، والصحن، ويشتمل بيت الصلاة على أربع بلاطات عرضية من الجنوب إلى الشمال، يفصل فيما بينهما عقود من نصف دائرة، متجاوزة بعض الشيء (أقواس بيضية تقوم على أعمدة، وهذه البلاطات تختلف عن بعضها البعض في الطول والعرض هكذا: (1) 30 و 15 على 40 و 2 م - (2) 30، 17 على 40، 2م - (3) و 75 16 على 75، 2م - (4) 50، 15 على 50، 2م) وللجامع أربعة أبواب:
------------------
*) مرآة المحاسن - العربي الفاسي ص 186.