العبيديون جيشا عظيما سنة 349 هـ بقيادة قائدهم جوهر، فدخل فاسا عنوة وقتل عددا كبيرا من أبنائها وعلمائها وأسر أميرها أحمد بن أبي بكر الزناتي وخمسة عشر من أعيان البلاد وحملهم إلى القيروان وهم في أقفاص من خشب وطاف بهم ثم حملهم بعد ذلك إلى المهدية حيث سجنوا إلى أن ماتوا في السجن.
إن مسجد الأندلس بعد هاته الوقعة فقد مركزه الثقافي وأصبح مقرا سياسيا يوجه السكان إلى خطط جديدة خصوصا بعد أن استقلت كل عدوة عن الأخرى وذلك حينما حاول الأمويون إبعاد شبح العبيديين عن المغرب مرة أخرى فقد أعطوا أمرهم لزيري بن عطية المغراوي باحتلال المغرب فأرسل قائده عسكلان الذي احتل عدوة الأندلس سنة 375 هـ واستغل منبر جامع الأندلس للدعاية لبني أمية وأعلن البيعة لعبد الرحمن الناصر في حين أن عدوة القرويين بقيت في يد العبيديين إلى سنة 376 هـ.
ثم وقع ذلك مرة أخرى حينما استقل فتوح ابن دوناس بن حمامة المغراوي بعدوة الأندلس وأخوه عجيسة بعدوة القرويين.
إن هذا الاضطراب أفقد البلاد ازدهارها وأطفأ شعلتها وأزال لمسجد الأندلس مكانته الثقافية، ولم يسلم المغرب من هذا الاضطراب إلا حينما استولى المرابطون على المغرب بقيادة يوسف بن تاشفين الذي دخل مدينة فاس سنة 462 هـ بعد حصار طويل وبعد أن قتل من أهلها عددا كبيرا، وذكر ابن أبي زرع أن ابن تاشفين قتل بجامع القرويين وبجامع الأندلس ما يزيد على ثلاثة آلاف.
وفي أيامه استتب الأمن في البلاد لأنه كان مشتهرا بالحزم والجرأة في مجابهة المخالفين، ولقد عمل على نشر المذهب المالكي بكل الوسائل وعمر المساجد وأعطى الأوامر بعقاب الذين لا يبنونها بأحيائهم، لذلك كثرت وانتشرت فلا تمر إلا خطوات حتى تجد مسجدا يذكر فيه اسم الله أو يعلم فيه كتابه أو يلقن فيه درس في الثقافة العامة.
إلا أن الملاحظ يرى أن جامع الأندلس في أيام المرابطين فقد تلك المكانة التي كان يمتاز بها من قبل وأصبح مسجدا عاديا، وتوجهت عناية الدولة إلى جامع القرويين، فهذا علي بن يوسف بن تاشفين قد وسع مسجد القرويين وزينه بكثير من النقوش ووشى جدرانه بالزخارف البديعة في حين أنه لم يفعل شيئا من ذلك في مسجد الأندلس، ولعل السبب يرجع إلى الظاهرة الجديدة التي أصبحت عليها مدينة فاس بعد احتلالها من طرف يوسف بن تاشفين لأنه هدم الأسوار التي كانت تحجز بين العدوتين وصير المدينتين مدينة واحدة، فقد سئم من تلك الوضعية التي كانت عليها البلاد لأنها كانت تجر دائما إلى التفرقة والثورة، ويكفي فاسا ما قاسته أيام المغراويين، ويكفيها ما شاهدته من الأهوال أيام تنافس العبيديين والأمويين وأن المصلحة تقضي الوحدة بين جزئيها ولم شتاتها وتوجيه سكانها إلى مسجد واحد يدرسون به، وتكون له الأهمية الكبرى في البلد، فاستقر رأيهم أن يكون هذا المسجد هو جامع القرويين، ولذلك لا نجد لمسجد الأندلس في عهدهم شخصية يمتاز بها دون غيره.
فلما انقضى عهدهم وتولى الحكم أصحاب المهدي بن تومرت رجعت له مكانته لحاجة الموحدين إلى المساجد يشرحون فيها نظريتهم التي يدعون إليها ويبينون للناس مدى الفرق بين التحرر الفكري الذي يسيرون عليه وبين ما كان عليه الفقهاء أيام المرابطين، لقد استغلوا المساجد حينذاك في شرح العقيدة الأشعرية، وشجعوا المجددين الذين يعملون على نشرها، واشترطوا في الخطباء أن يكونوا عارفين باللغة البربرية بعيدين عن التقيد بمذهب مالك وأصبح مسجد الأندلس يشارك بدوره في توجيه الأفكار ضد المذهب المالكي سيرا مع الدولة الحاكمة التي قاومته بكل نشاط خصوصا أيام الناصر الذي بويع له سنة 595 هـ، قال عبد الواحد المراكشي في كتابه "المعجب": (وفي أيامه انقطع علم الفروع وخافه الفقهاء وأمر بإحراق كتب المذهب بعد أن يحرر ما فيها من حديث رسول الله r والقرآن، ففعل ذلك وأحرق منها جملة في سائر البلاد كمدونة سحنون ونوادر ابن أبي زيد ومختصره وكتاب التهذيب للبرادعي وواضحة ابن حبيب وما جانس هذه الكتب ونحا نحوها)، قال: (ولقد شهدت منها وأنا يومئذ بمدينة فاس يؤتى منها بالأحمال فتوضع ويطلق فيها النار) ثم قال (وكان قصده في الجملة محو