مذهب مالك وإزالته من المغرب مرة واحدة، وحمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده إلا أنهما لم يظهراه وأظهره يعقوب هذا (*).
ولا شك أن مثل هذا التضييق على مذهب مالك لا يكفي فيه الضغط والإكراه بل يحتاج أيضا إلى تبيين ذلك على أسس العلم والمعرفة وتلك مهمة العلماء في المساجد، وإذا كان مسجد الأندلس في تاريخه مرتبطا بحلقات دروس الفقهاء المالكيين فلماذا لا يرجع أيام الموحدين مركزا للدراسات الجديدة؟ لذلك استقر رأي الناصر الموحدي على تجديده وأدخل فيه من الإصلاحات ما بقي خالدا إلى الآن، ويكفيه فخرا أنه هو الذي بنى أعظم أبوابه وأحسنها زخرفة، تلك هي الباب المدرجة التي توجد في جنوب المسجد.
قال الناصري (*) (وفي سنة 604 هـ، أمر الناصر ببناء دار الوضوء والسقاية بإزاء الجامع وجلب إليها الماء من العين التي خارج باب الحديد وأمر ببناء الباب الكبير المدرج الذي بحصن الجامع وأنفق عن ذلك كله من بيت المال).
وأصبح المسجد بعد هذا الإصلاح من أعظم مساجد فاس وتهافت الناس على التعبد فيه والاستماع إلى العلماء والخطباء من منبره خصوصا في السنوات الأولى بعد إصلاحه، غير أن مدة ازدهاره لم تدم نظرا لوفاة الناصر الذي كان حريصا على نشر العلم ونظرا للسيل العظيم الذي جرف عدوة الأندلس سنة 626هـ فهدم من جامعها ثلاثة بلاطات وهدم دورا كثيرة وفنادق متعددة. ونظرا للحالة التي كانت عليها البلاد حينذاك فإن الدولة الموحدية كانت في حالة احتضار بعد موت الناصر سنة 610 هـ ولم يبق لها الفراغ للعمل على رتق ما فسد، إنما كانت تقضي أيامها في الحروب الداخلية التي منيت بها بسبب الخلاف الحاصل بين أفرادها وبسبب اكتساح بني مرين لنواحي فاس وبسبب استقلال الدولة الحفصية بتونس وبسبب المحاولة التي قام بها بنو عبد الواد في الجزائر ليستقلوا عن حكم الموحدين، لذلك بقي مسجد الأندلس مهدما في بعض الجوانب لا تقام الصلاة إلا في جزء منه حتى إذا كانت سنة 695 هـ في أيام المرينيين عرف خطيبه وإمامه الشيخ أبو عبد الله محمد بن مسونة الأمير أبا يعقوب بن أبي يوسف بن عبد الحق بحالته فجدده وأصلحه من مال الأوقاف.
وبعد هذا الإصلاح أصبح المسجد كلية تكاد تكون مختصة بدراسة الفقه المالكي وتحليل كتبه، لأن رد الفعل من بني مرين كان في منتهاه ضد الموحدين وأصبحوا يحيون من جديد جميع الكتب التي أحرقت في أيامهم وقام العلماء بتدريس ذلك في جامع الأندلس، فهذا أبو الربيع سليمان الونشريسي الفاسي المتوفى في سنة 705 هـ كان يدرس بهذا المسجد كتاب التفريع لابن الجلاب والمدونة، يقوم عليهما أتم قيام، ولأهمية دروسه كان يحضره علماء البلد الأكفاء فقد كان يحضر مجلسه خلف الله المجاصي (*) الذي كان يحفظ المقدمات والتحصيل والبيان لابن رشد والقاضي أبو سالم إبراهيم اليزناسني (*).
وفي عهد المرينيين بلغ ازدهار هذا المسجد أوجه لأنهم كانوا يعتنون بالعلم عناية فائقة ويعملون على نشره بكل الوسائل خصوصا في أيام أبي سعيد عثمان وأبي الحسن وأبي عنان، فلقد بنى أبو الحسن مدرسة الصهريج بإزائه ليقرب على الطلبة مشقة السير وليجعل مأواهم قرب المسجد الذي يدرسون به وكذلك بنى مدرسة السبعيين وجعلها خاصة للروايات السبع في القرءان.
ورغم أن مسجد الأندلس كان يدرس به في هذا العهد بعض فطاحل العلماء ويخطب به فضلاؤهم فقد كان يعتبره بعض الخطباء دون جامع القرويين لذلك نرى أن ابن الحباك المكناسي المتوفى سنة 870 هـ حينما كان خطيبا بالقرويين وأزيل من الخطبة طولب بعد ذلك بالإمامة بجامع الأندلس فأبى وقال إذا كان خلعي عن تجريح فأنا لا أصلح لإمامة الأندلس أيضا وإن
(*) المعجب في تلخيص إخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي.
(*) الاستقصاء طبعة دار الكتاب الجزء الثاني صفحة 196.
(*) الربع الرابع من الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي للحجوي صفحة 70.
(*) سلوة الأنفاس الجزء الثالث صفحة 316.