إن هذا الشعور الديني الذي شع من هاتين المرأتين ليعد مفخرة من مفاخر المرأة العربية المسلمة وليعتبر من أقوى مظاهر الرقي الفكري عند نسائنا في الماضي، وإن تفكير السيدة مريم القيروانية لنستدل به على الانسجام الذي كان سائدا بين سكان فاس أيام الأدارسة وعلى التآلف الحاصل بين عدوتيها وأن ما وقع من التناحر أيام المغراويين بين هاتين العدوتين إنما كان أساسه الخلاف الحاصل بين الحاكمين.
ولما تم المسجد بالبناء أقبل الناس عليه واهتموا به إلا أنه لم يصبح مسجدا جامعا تقام فيه الخطبة إلا في أيام الزناتيين الموالين للأمويين بالأندلس سنة 345 هـ بعد مائة عام من تأسيسه (*) فقد زاد فيه الأمير أحمد بن أبي بكر الزناتي زيادة كثيرة ونقل إليه الخطبة من مسجد الأشياخ.
وبعد نقل الخطبة إليه أصبح له دور سياسي خطير لأن منبر المسجد كان يوجه الشعب حسب آراء الدولة الحاكمة ويشرح للرعايا نظام الحكم الجديد ويحلل لهم المبادئ والخطط التي يسير عليها الملوك الحاكمون خصوصا في تلك الفترة الحاسمة التي كان المغرب يعيش فيها مهدد الجانبين وتحاول كل من الدولة الفاطمية التي كانت قد تأسست بتونس سنة 297هـ والدولة الأموية بالأندلس أن يكون تحت قبضتهما، وكلما حاول الاستقلال عنهما أو الصمود في وجهيهما لقي الأهوال والشدائد، فهذا يحيى بن إدريس بن عمر بن إدريس أعظم الأدارسة صيتا وأقدرهم على مجابهة الأهوال وتسيير الدولة، مني بهجوم العبيديين عليه سنة 305 هـ ورغم مقاومته لهم فقد اضطر إلى أن يقيم معاهدة صلح معهم على شرط ذكرهم في المنابر والدعاء لهم في المساجد، ورغم هذه الشروط فقد رجع إليه العبيديون مرة أخرى سنة 309 هـ وبقي سجينا في يد موسى بن أبي العافية ما يزيد على العشرين سنة.
ورأى الأمويون أن سلطتهم بالأندلس ستنهار إذا ما استمر العبيديون بالمغرب لأنهم سيجعلونه ممرا إلى غزوهم ولذلك ارتأى نظرهم أن يحتلوه ويشجعوا فيه الفتن حتى إذا جاؤوا إليه وجدوه طائعا لينا واستخدموا دهاءهم السياسي فأفسدوا العلاقة بين موسى بن أبي العافية والعبيديين سنة 320 هـ وضيقوا الخناق على الدولة الإدريسية التي انتقلت إلى شمال المغرب، وتمكن عبد الرحمن الناصر من سبتة وطنجة وجعلهما مبدأ انطلاقه لاحتلال البلاد، وأصبح يقاتل البربر حينا ويستميلهم أحيانا حتى أصبحوا تحت طاعته، وما هي إلا أيام حتى احتل مدينة فاس وجعل عليها وليا من الزناتيين هو محمد بن الخير، ثم ولى من بعده ابن عمه أحمد بن أبي بكر الذي أبعد الرأي العام عن المسجدين الأولين اللذين كانت تنبعث منهما الدعوة للعبيديين والأدارسة، ووجه عنايته إلى إصلاح مسجد الأندلس ومسجد القرويين ونقل الخطبة إليهما.
وكادت فاس تعرف في أيامه نوعا من الاستقرار السياسي وتأمن غوائل الفتن التي كانت تتعاقب عليها وكاد السكان ينسون ما لاقوه من محن وأصبحوا يهتمون من جديد بالثقافة وأصبح مسجد الأندلس منبعا علميا يأوي إليه الطلاب من كل صوب وحدب ينهلون منه غذاءهم الفكري ويستفتون فيه عن قضاياهم الدينية بل كاد يصبح مركزا للفقه المالكي نظرا لما يقوم به علماء المذهب من نشاط تعليمي حينذاك، يقول الجزنائي في كتابه زهرة الآس (*) (إن جماعة من الصلحاء والعباد التزموا جامع الأندلس وتفرغوا فيه للعبادة بعد تحصيل العلم ويقصدهم الناس للفتاوى وطلب العلم والأدب والتماس الدعاء)، وذكر منهم الفقيه جبر الله بن القاسم نزيل عدوة الأندلسيين بفاس فقال: (وهو ممن أدخل علم مالك إليها وهو من مشاهير فقهائها ومتقدميهم لقي أصبغ بن الفرج وسمع منه .. وهو ممن لحق دراس بن إسماعيل رحمه الله).
كان جبر الله هذا مطلعا على الفقه المالكي اطلاعا متينا حتى أنه استطاع أن يجيب دراسا عن كل ما تضمنه كتاب ابن المواز.
وشاء القدر لهاته النهضة العلمية أن يكبح جماحها ولهذا المسجد أن يفقد نشاطه العلمي حين أرسل
(*) قيل أن الخطبة انتقلت إليه سنة 321 هـ في أيام حامد بن حمدان الهمداني عامل العبيديين على فاس
(*) سلوة الأنفاس لمحمد بن جعفر الكتاني الطبعة الحجرية بفاس الجزء الأول صفحة 356.