تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع1 /أكتوبر 1962 .................... ص 14

جامع الأندلس بفاس

للأستاذ: محمد عبد العزيز الدباغ

تنقسم فاس إلى عدوتين: عدوة الأندلس وعدوة القرويين، أما الأولى فبناها المولى إدريس سنة 192 هـ وأما الثانية فبناها بعد ذلك بسنة.

إن المولى إدريس حينما كان بمدينة وليلي وفد عليه عدد وافر من الأندلسيين والقيروانيين فكان من الضروري أن يفكر في تأسيس مدينة تضم الوافدين وتجمع أسرهم وتلائم أحوالهم فما كان منه إلا أن بنى مدينة فاس.

كانت المدينة أول الأمر صغيرة وكان البناء فيها يقتصر على ناحية كرواوة وما جاورها حيث بنى المولى إدريس مسجدا صغيرا سماه مسجد الأشياخ ولكن الوفود كانت تتوالى عليه وتنضم إلى دولته وتستظل بحمايته فضاقت المدينة وعمد إلى بناء الضفة الأخرى حيث بنى دورا للسكنى ومسجدا آخر عرف فيما بعد بمسجد الشرفاء.

إن العدوة الأولى كانت مسكنا للأندلسيين الذين التجئوا إلى المغرب بعد فرارهم من الحكم بن هشام الذي أوقع بالفقهاء فنسبت إليهم، وأما العدوة الثانية فقد استقر بها المولى إدريس مع بعض القيروانيين فعرفت بعدوة القيروانيين.

إن هاته الهجرة التي قام بها القيروانيون والأندلسيون إلى مدينة فاس كانت سببا في نهضتها العلمية والاقتصادية وسببا في ازدهارها وترقيتها وعاملا فعالا في نشر اللغة العربية بين أرجائها وتعميم هاته اللغة من بعد في بلاد المغرب.

وإن الاهتمام الذي أولاه المولى إدريس لهؤلاء المهاجرين جعل الهجرة إلى هاته المدينة يعلو رقمها يوما فيوما وجعلها تستمر ولو بعد وفاته حتى بلغت رقما قياسيا أيام حفيده يحيى بن محمد الذي تولى الملك سنة 234هـ.

إن كثرة الوافدين على مدينة فاس أيام هذا الملك العظيم كانت سببا في عمرانها وحيويتها وتمكين نفوذها في باقي أجزاء المملكة ولكن ليس من المعقول أن تظل المدينة كما كانت من قبل لأن الضرورة أصبحت تدعو إلى الزيادة فيها وإلى توسيعها وإلى تهييء المساجد الكافية للصلاة والتعليم فقد كان المسجد في بلاد الإسلام يعتبر مركزا ثقافيا يتلقى فيه المسلمون دروس دينهم ولغتهم بعد أن يؤدوا فيه صلواتهم ولم يعد المسجدان اللذان كانا بالمدينة كافيين لهذا الجم الغفير من السكان بل أصبح الواقع يدعو إلى التفكير في بناء مساجد أخرى وكانت أريحية المسلمين تدعوهم إلى الاهتمام بشؤون دينهم وإلى العمل على تركيز أسسه وإلى إنفاق الأموال في سبيل ذلك ولكنهم كانوا يخشون أن ينفقوا مالا حراما في شيء من هذا، لذلك كانوا ينتظرون الفرصة حتى يملكوا مالا لا شبهة فيه وحينئذ تطمئن قلوبهم إلى أن يحققوا بعض المشاريع الدينية وهذا ما وقع بالفعل أيام يحيى بن محمد بن إدريس، فإن أسرة قيروانية كانت تسكن عدوة القيروانيين تتكون من رجل اسمه محمد الفهري القيرواني ومن ابنتين له إحداهما اسمها فاطمة والثانية اسمها مريم، فلما مات هذا الأب خلف مالا كثيرا ففكرت فاطمة في بناء جامع القرويين بهذا المال الموروث وفكرت أختها مريم في بناء جامع الأندلس وشرعتا في ذلك سنة 245 هـ.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٤٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٤٦٢