الخرط والنقش ما يقضي بالعجب» (12) وصنعت سقاية منمقة «بالجص والحجر المنجور وأنواع الصبغة» كما جعلت على المحراب عام 712 هـ مقصورة من خشب الأرز الغيت بعد ذلك أما الخزانة فقد أسسها أبو عنان المريني عام 750 هـ وجهزها بالكتب المنوعة وعين قيما لضبطها ومناولة مصنفاتها.
وللجامع 18 بابا و300 سارية ـ عشر منها من حجر ملون وثلاث منها تقع تحت الثريا الكبرى تبصر منها جميع أبواب الجامع ـ و 21 بلاطا و 130 ثرية من النحاس مختلفة الألوان والصناعات والأشكال والهيآت.
أما جامع الأندلس فقد وقع الشروع في بنائه كذلك عام 245هـ وكان فيه ستة بلاطات وصحن صغير هـ (13) ونقلت إليه الخطبة من جامع الأشياخ قبيل ذلك (321هـ) وبعد نحو من ثلاثة قرون عام (600هـ) أمر الناصر الموحدي ببناء الباب الكبير الذي فيه درج بأسفلها شباك من خشب الأرز فيه ثلاثة أبواب في الأوسط بيلة من الحجر الأصفر ينفجر بها الماء من وادي مصمودة. وبأعلى الباب قيتان أحدهما من جص مقربص الداخل والثانية من خشب الأرز ..
كما أمر الناصر ببناء سقاية ومدخل لمصلى النساء ومصرية لائمة الجامع ودار للوضوء بخصتها تحاكي التي بجامع القرويين وعدد بلاطاتها بعد سنة 695 هـ خمسة عشر من الشرق إلى الغرب، وثلاثة عشر من القبلة إلى الجوف، وتسعة أبواب و 134 سارية.
وكانت فاس في هذا العصر كما وصفها المراكشي «حاضرة المغرب وموضع العلم منه اجتمع فيها علم القيروان وعلم قرطبة ... وحل من هذه وهذه من كان فيهما من العلماء والفضلاء من كل طبقة فرارا من الفتنة فنزل أكثرهم مدينة فاس فهي اليوم على غاية الحضارة وأهلها في غاية الكيس ونهاية الظرف ولغتهم أفصح اللغات في ذلك الإقليم ومازلت أسمع المشايخ يدعونها بغداد المغرب» (14).
وقد لاحظ كوستاف لوبون أن مدينة فاس كانت تزاحم بغداد في القرن العاشر الميلادي فكان بها نصف مليون نسمة و800 مسجد وخزانة حافلة بالمخطوطات اليونانية واللاتينية (15) وقد زعم أستاذ إيطالي هو لويجي روسو أنه اشترى من فاس مخطوطات نادرة من عشاريات تيتيف (16) حول التاريخ الروماني.
وقد وصف كابريال شارم مدينة فاس بأنها أول مدينة مقدسة بعد مكة وأنها كانت مركز القوة العربية في عنفوان ازدهارها والعاصمة الفكرية والروحية للمغرب الإسلامي بفضل معاهدها الخالدة ومساجدها الماجدة (17) وذكر مارسي (18) أن إفريقية نفسها وهي الوطن العتيق لعلماء الإسلام أصبحت تتلمذ لبرابرة الغرب وشبه على باى العباسي هذه المدينة باثينة لوفر علمائها ومعاهدها (19).
ولاحظ ليفي بروفنصال أنها لم تكن أقل مكانة من عواصم الإسلام الأخرى (20) نعم في هذه المدينة تبلورت الحضارة العربية التي تفتقت بالمغرب فتلألأت أشعتها على أروبا (21) وقد احتفظت فاس على ممر العصور بإشعاعها «فهي ما زالت دار العلم وجامع القرويين ما زال أول مدرسة في الدنيا (22).
وذكر مارمول أنه كان بفاس 200 مدرسة ونقل الكانوني في «شهيرات نساء المغرب» عن مؤرخ أروبي خصص كتابا لفن الإنسان بالمغرب لاحظ فيه أن مدينة فاس الجديد حوالي عام 1844م إلى مدرسة للمهندسين نظم فيها السلطان دراسة العلوم الحديثة (23).
وقد أكد مولاي عبد الرحمن بن زيدان (24) أن خريجي «مدرسة البوليتكنيك» (الفنون) التي أسسها السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن بفاس الجديد تابعوا دراستهم في معاهد إنجلترا (مثل محمد بناني العلمي).
وكان بجامع القرويين أواخر القرن الماضي 700 طالب ونحو الأربعين أستاذا، وظل جامدا إلى ما قبيل الاستقلال حيث ينيف الآن على ستة آلاف وكان هؤلاء الطلبة يسكنون بالمدارس ويتمتعون بنظام الخبزة الذي عوض الآن بمنح دراسية ومطاعم مدرسية وداخلية منظمة في الشراردة.