تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جامع حسان

إن هذا الجامع من مآثر الموحدين الخالدة التي حققت وحدة الفن الشرقي والفن الأندلسي المغربي فهو رمز لفخامة الدولة الموحدية ومشاعرها في السمو والعظمة وذوقها في التناسق الجامع بين الفخفخة والبساطة وهو مجهود رائع إذا اعتبرنا انبثاقه من أسرة «موحدة» كانت نعمل على دعم الإسلام في صفائه الأصيل ـ وحنفيته السمحة وعظمته البسيطة ويقع جامع حسان شمالي شرق مدينة الرباط الذي بناه الموحدون بالرباط بعد مسجد القصبة العتيق وبانيه هو يعقوب المنصور الذي أتمه عام 592هـ ويظهر أن بناءه لم يتم ومنارته أقرب عهدا من منارة الكتبية ومنارة جامع شبيلية، المعروفة بالخالدة، وهي مربعة كمنارة جامع دمشق، يبلغ عرضها ربع طولها حسب التقليد المعماري وهذا العلو وهو 64 مترا ـ يجعل من منارة حسان أعظم منارة في الغرب بل حتى في الشرق (25) أما الجامع فإنه مربع المساحة تقريبا هندسي التقسيم لتساوق سواريه الفاصلة بين صحونه الواسعة ومحرابه مربع الشكل على خلاف المحارب المغربية، وهو منحرف ببعض الشيء عن القبلة مثل جامع القرويين (26).

رسالة الأوقاف المعمارية

لقد تذرع المغاربة منذ انبثاق فجر الإسلام بهذه البلاد ـ بشتى الوسائل لتركيز الفكرة الإسلامية وتحقيق ازدهار المسلمين في ءان واحد بواسطة (رباع) توقف على المؤسسات الدينية والاجتماعية، وقد ساهم الملوك والشعب في هذه الحملة الدينية الإسعافية التي كانت تتخذ مختلف المظاهر لتحقيق غاياتها، وإذا راجعنا دفاتر الإحصاء الحبسية لاحظنا أن الأوقاف تتوفر في جميع أنحاء القطر على أحسن الأراضي والعقارات حتى على السوائم الحية في الجبل علاوة على الغراسات الثرية وقد وقع تفويت جانب كبير من الأراضي الخصبة الشاسعة والأملاك المختلفة في إبان الحماية ولا تزال صكوك تحبيسها موجودة حتى الآن.

وقد تبلور الاتجاه الحبسي على الخصوص منذ عهد المرينيين حيث أقام أبو يوسف المارستانات للغرباء والمجانين، وأجرى عليها النفقات وخصص لها الأطباء وبنى المدارس ورتب فيها الطلبة لقراءة القرءان والعلم، وأجرى لهم المرتبات في كل شهر، وبنى الزوايا في الفلوات وأوقف لها الأوقاف الكثيرة لأطعام عابري السبيل وذوي الحاجات (الذخيرة السنية ص 100)، وسار الملوك بعد ذلك على منوال حثيث في هذه الطريق الجديدة حتى إنشأ أبو الحسن (في كل بلد من بلد المغرب الأقصى وبلاد المغرب الأوسط (الجزائر) مدرسة فقامت مؤسساته الاجتماعية في تازا ومكناس وسلا وطنجة وسبتة وآنفا (الدار البيضاء الحالية) وأزمور وآسفي وأغمات ومراكش والقصر الكبير وتلمسان وعاصمة الجزائر (المسند الصحيح الحسن لابن مرزوق ص 35 مجلة هسبريس عام 1925) ولم تكن أية مدينة من المدن لتخلو من عائلات خصصت قسطا من أملاكها للإسعاف الاجتماعي وهي الأوقاف المعينة على الخبز مثلا الذي كان يوزع أسبوعيا أو يوميا حسب أهمية الأرباع هذا علاوة على الأوقاف الخاصة بالمساجد والمرستانات ومعاهد التعليم التي كان يتعيش منها عدد كبير من المستخدمين زيادة على رواتب العلماء والطلبة.

وإذا اعتبرنا أن مدينة مغربية كانت تتوفر في كل حي من أحيائها على عدة مساجد بأوقافها، لمسنا ضخامة الثروة الحبسية في المغرب ويكفي أن نعلم أن في فاس وحدها أحصى في زمن المنصور ومحمد الناصر الموحدين (785 مسجدا و 42 دارا للوضوء و 80 سقاية عمومية و43 حماما) (زهرة الآس ص 33) وكلها حبسية (27).

وكانت في المغرب أوقاف من نوع خاص (28) كالتي تصرف على الزوجين الفقيرين بأيوائهما مجانا في منزل مؤثث إبان الزفاف وكالتي تنفق في تجهيز العروس المعوزة وأوقاف الأواني المكسرة وتعهد وتغذية الحيوانات والطيور (كذية البراطيل بفاس) وذلك بالإضافة إلى تأسيس الأسوار والقناطر والقنوات والسهر عليها والشبه هنا ملحوظ بين المغرب والشام حيث توجد نفس الأنواع من الأوقاف (29).

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٤٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٤٥٩