تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

٢ - وجعَل كَوني، بمَعنى: ما خَلَق.

مِثال الجَعْل الشرعيِّ: قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]، هذا جَعْل شَرعيٌّ، والدليلُ أنه كونًا واقِعٌ، لكنه شرعًا لم يَجعَل ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣].

وأمَّا الجعْل الكَوْنيُّ فهو كثير، مثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦]، ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١٠ - ١١].

وفي هذه الآيةِ الكريمةِ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ من الجَعْل الكونيِّ، وأكَّدَ اللَّه سبحانه وتعالى هذا النفيَ بحَرْف الجَرِّ الزائِد؛ لأن الحروفَ الزوائد من أدوات التوكيد؛ إِذَنْ: محُالٌ أن يَكون في الإنسان الواحِد قَلْبان، ولكن هل هذه الجُمْلةُ مُرادةٌ لذاتها أو مُرادة لغيرها؟

يَرَى المُفَسِّر رحمه الله وجماعة من عُلَماء التفسير أنها مُرادةٌ لذاتها، وأنها نَفيٌ لأَمْر قدِ ادُّعيَ؛ ولهذا قال رَدًّا على مَن قال مِن الكفار: إن له قَلْبين يَعقِل بكُلِّ منهما؛ أفضَل من عَقْل محُمَّد -ﷺ-؛ هذا ما ذهَبَ إليه جماعة من أهل العِلْم.

يَعني: أن هذا نَفيٌ لأَمْر قدِ ادُّعيَ وهو رجُل من الكُفَّار يَقول: إن له قَلْبين، وإذا كان له قَلْبان كان له عَقْلان، وإذا كان له عَقْلان كان أَفضَلَ من النبيِّ -ﷺ-؛ لأنه ما له إلَّا قَلْب واحِد.

وذهَبَ بعض المُفسِّرين وعلى رَأْسهم الزُّهريُّ (١) رحمه الله إلى أن هذه الجُملةَ ليسَت مَقصودةً لذاتها؛ لأنها أمرٌ مَعلوم؛ لأنه ليس لإنسان قَلْبان، لكنها تَوْطِئة وتمَهيد

(١) أخرجه عبد الرزاق في التفسير (٣/ ٣٠)، ومن طريقه الطبري في التفسير (١٩/ ٩).

تفسير العثيمين: الأحزاب · الصفحة ٣٤

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير العثيمين: الأحزابص ٣٤