وإيراده هنا لقول الله عز وجل: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30] , مراده بذلك أن يثبت منهج أهل الحق, وهو منهج أهل السنة والجماعة في ذلك، فهم يثبتون لله جل وعلا مشيئتين, وأما أولئك فيثبتون لله عز وجل مشيئة واحدة, وقد ذكر في الآية مشيئتين وهما: مشيئة للعبد, ومشيئة لله عز وجل، ومشيئة العبد هي مشيئة بعد مشيئة الله, وهي مشيئة الله عز وجل وإرادته, ومشيئة الله هي المشيئة المتصرف، والمشيئة لله عز وجل هي مشيئة كونية, ولا توجد مشيئة غيرها.
الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية
والإرادة على نوعين: الإرادة الكونية وهي رديفة للمشيئة، والإرادة الشرعية والمراد بها: أحكام الله عز وجل وتشريعاته, فإرادة الله عز وجل كوناً لا بد من وقوعها, وهذا قضاء الله عز وجل وقدره, وهو أصل القدر في حاله وقوعه، وهي أيضاً مشيئة الله سبحانه وتعالى التي لا بد أن تكون صائرة. والفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية هو: أن الإرادة الكونية متعلقة بفعل الله عز وجل, أي: أنها من أعمال وأفعال الله سبحانه وتعالى, وأما الإرادة الشرعية فهي متعلقة بعمل العبد, فإن كان خيراً فخير، وإن شراً فشر. والإرادة الكونية يقضي الله عز وجل فيها بما يريد, ولا يقضي سبحانه وتعالى فيها بما يحب, والمراد بذلك هو تصريف الكون وتدبيره. وأما بالنسبة للإرادة الشرعية فإن الله سبحانه وتعالى يأمر عباده بفعل الخير، وينهاهم عن الشر, ولكن منهم من يفعل الخير، ومنهم من يفعل الشر, ويقضي الله عز وجل على عباده شراً وخيراً, فالإرادة الشرعية يلزم منها شيء من الإرادة الكونية.