ولو تأملوا هذا الحديث والآية السابقة فهي حجة عليهم لا حجة لهم، فأما قوله جل وعلا: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17]، فإن الله عز وجل أثبت الرمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بقوله تعالى: ((إِذْ رَمَيْتَ))، يعني: أنك أنت الرامي، ولكن المسدد هو الله، ((وَمَا رَمَيْتَ))، يعني: الرمي الذي أوصل هذا الإثخان لهذا العدو ليس لك، وإنما هو لله جل وعلا، وإنما أنت سبب، وأمرك الله عز وجل بفعل هذا السبب، ولهذا أثبت الله جل وعلا السبب من نبيه، ونفى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التسديد ووصول الغاية؛ ولهذا قال الله جل وعلا: ((وَمَا رَمَيْتَ))، أي: مما يصل إلى الغاية، ((إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)). وأما قول الله جل وعلا في الحديث القدسي في حديث أبي هريرة: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، فهذا جاء في سياق العبد الصالح، فإذا قلنا: إن الإنسان مجبور؛ فيلزم من ذلك ألا يكون اختصاص للولي، وهذا جاء في سياق العبد الصالح أن الله عز وجل يكون سمعه وبصره، فالله عز وجل جعل الإنسان مجبوراً إذا كان صالحاً, وغير مجبور إذا كان سيئاً، والسياق هنا في حال العبد الصالح، وإذا كان العبد الفاسد والعبد الصالح على السواء، فالله عز وجل معه، هذا يسدده للشر، وهذا يسدده إلى الخير، ولا مزية لأحد. وكذلك في قول الله جل وعلا في هذا الخبر: (ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، يعني: أن تسديد الله عز وجل لعبده لم يكن موجوداً إلا بعد إكثار العبد من الطاعة، وأن المراد بذلك هو التشديد، وإلا للزم ألا يكون الله عز وجل حاضراً مع عبده قبل الطاعة ووجد بعد الإكثار من الطاعة، وأن الله عز وجل لم يكن مُجبراً لعبده قبل طاعته ومُجبراً لعبده بعد طاعته على الخير، وهذا فيه ما فيه.
شرح إعتقاد سفيان الثوري · الصفحة ١٠٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرح إعتقاد سفيان الثوريص ١٠٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي