تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غلاة القدرية

وهذه الطائفة تدرجت في اعتقادها وهي على فرقتين: الفرقة الأولى: طائفة الغلاة, وهم الذين قالوا: إن الله عز وجل لم يقدر شيئاً, وتسلسلوا في ذلك، فلما حاججهم أهل الإسلام وقالوا لهم: إذا نفيتم أن الله عز وجل قدر المقادير فيلزم من ذلك أن الله عز وجل لا يعلم شيئاً، أي: لا يعلم سبحانه وتعالى ماذا سيفعل العباد غداً وبعد غد، ولا يعلم ما في الأرحام جل وعلا، وهي من أفعال العباد، فحملهم ذلك أن يلتزموا بنفي علم الله سبحانه وتعالى، فأوقعهم ذلك في الكفر والزندقة الصريحة. وقد ذكر عن الإمام أحمد -كما نقل عنه ابنه عبد الله وذكر ذلك الشافعي - في مخاصمته للقدرية أنه خاصمهم في علم الله سبحانه وتعالى, فقال لهم: (إن كنتم تنفون قدر الله عز وجل فيلزم من ذلك نفي العلم)، يعني: أن الله سبحانه وتعالى جاهل، تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً، فوقعوا في ذلك وسلموا به, وقالوا لهم: وإن سلمتم بالعلم فيجب أن تسلموا بالقدر؛ لأنكم إذا سلمتم بالعلم سلمتم بالمعلوم، وإذا سلمتم بالمعلوم سلمتم بحدوثه ومتى يحدث، وإلا أصبح ذلك العلم قاصراً، فمنهم من آمن بالعلم ثم آمن بالقدر، ومنهم من آمن بنفي علم الله سبحانه وتعالى, وهذا جرهم إلى الزندقة. وقد تلاشت هذه الفرقة وخرجت عن دائرة الإسلام، بل إنها ارتدت عن مجموع الإسلام.

نسبة الأفعال لله مع الإيمان بعلم الله بها

الفرقة الثانية: وهي الطائفة الأقل غلواً في ذلك, وهذه الطائفة موجودة إلى اليوم, وهم الذين يقولون: إن الله سبحانه وتعالى قدر المقادير على عباده عالماً بها جل وعلا، ولكن الإنسان يخلق فعله، وكأنهم أرادوا أن يتوسطوا مع إيمانهم بالعلم، فأرادوا أن يخرجوا من ذلك اللزوم الذي طرأ على الطائفة الأولى، والطائفة الأولى هي طائفة كفرية خارجة من الإسلام؛ وذلك للالتزام بما التزموا عليه، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله: (خاصموهم بالعلم، فإن لم يقروا به كفروا).

شرح إعتقاد سفيان الثوري · الصفحة ١٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح إعتقاد سفيان الثوريص ١٠٢