وهؤلاء العلماء والفقهاء يجتهدون ، يخطئون ويصيبون ، وليس لأحد منهم قداسة كرجال الكهنوت ، ولا يحلون ولا يحرمون من دون الله كما وقع في تاريخ النصرانية . والناس يحترمونهم ويوقِّرونهم لعلمهم وفضلهم ، ولكنهم لا يتخذونهم أرباباً من دون الله كما صنع أهل الكتاب بأحبارهم ورهبانهم : ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ) [ التوبة : 31 ] .
ثم إن الإسلام لا يعرف الفصل بين الدين والعلم ، ولا بين الدين والحياة كما وقع في حياة النصارى في أوربا .
إن الإسلام دين الفطرة . وليس في الفطرة انفصال بين الدين والعلم ، ولا بين الدين والحياة !
ففي النفس البشرية نزعة فطرية إلى التدين ، بما أودع الله في الفطرة من التوجه إلى الخالق وعبادته ، ونزعة فطرية إلى تعلم العلم واستخدام ثماره في عمارة الأرض : ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ) [ البقرة : 31 ] .
( هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) [ هود : 61 ] .
( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ) [ الجاثية : 13 ] .
ولا تعارض في الفطرة السوية بين هاتين النزعتين الفطريتين ، بل تسير النزعة إلى الإيمان والنزعة إلى المعرفة جنباً إلى جنب ، وتتجهان وجهة واحدة .
وإذا كانت الجاهلية الأوربية المعاصرة قد فصلت بين هاتين النزعتين الفطريتين وأقامت بينهما العداء والصراع ، وأنشأت غروراً عقليّا وفتنة بالعلم تزيد الإنسان بعداً عن الله كلما زادت حصيلته من العلوم والمعارف ، كما قال الله في وصف الجاهليات السابقة في التاريخ : ( فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) [ غافر : 83 ] .