وهذا نفسه هو حال الجاهلية المعاصرة حين تعبد إلهاً في المعبد ، وآلهة أخرى متشاكسة خارج المعبد ، فلا تعرف السلام ولا الهدوء ولا الطمأنينة ، إنما يحكم حياتهم القلق والاضطراب .
* * *
ولقد كان المسلمون بمنجاة من هذا كله وهم يعبدون إلهاً واحداً لا شريك له ، يعبدونه في المسجد وخارج المسجد . يتوجهون إليه باعتقاد صحيح في وحدانيته ، ويتوجهون إليه بشعائر التعبد ، ويتوجهون إليه في شئون حياتهم المختلفة ، فيتحاكمون إلى شريعته وينفذونها في واقع الحياة . وكانوا بذلك كما وصفهم الله في كتابه : ( خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) [ آل عمران : 110 ] .
ولكن المسلمين ظلوا يبعدون عن حقيقة دينهم فهماً وسلوكاً حتى أصابهم الضعف فتمكن منهم أعداؤهم .
وحين تمكَّنوا منهم فقد أرادوا أن يقضوا على عنصر القوة في كيانهم لكي لا يعودوا إلى النهوض مرة أخرى . وكان أول ما اتجهوا إليه في البلاد الإسلامية التي حكموها هو تنحية شريعة الله عن الحكم ووضع القوانين الوضعية بدلاً منها .
ثم ظلوا يعملون ، ومعهم أدواتهم من العملاء الذين تأثروا بهم ، على حصر الإسلام رويداً رويداً في دائرة الاعتقاد الوجداني والشعائر التعبدية ، لا صلة له بالسياسة ولا الاقتصاد ولا علاقات الأفراد في المجتمع ولا القيم الخلقية ولا السلوك الواقعي ..
ونرى أثر ذلك واضحاً في البلاد التي لا تحكم بشريعة الله ، وتروح تستورد المبادئ والنظم من الشرق والغرب ، فتكون النتيجة هي التبعية للشرق والغرب ، وزوال العزة التي كانت لهم يوم أن كانوا مؤمنين : ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) [ المنافقون : 8 ] .