وإذا كانت تلك هي حقيقة الدين الرباني ، فإن البشر من عند أنفسهم هم الذين فَصَلُوا العقيدة عن الشريعة ، وجعلوا الدين عقيدة فقط ، وقالوا إن الدين صلة بين العبد والرب مكانها القلب ، ولا علاقة لها بواقع الحياة ! إنما واقع الحياة تحكمه شرائع يضعها البشر لأنفسهم . وبذلك خرجوا من دين الله وأصبحوا في الجاهلية ! وهذا ما وقع للنصارى في أوربا بصفة خاصة ، إذ فصلوا العقيدة عن الشريعة وفصلوا الدين عن الدولة ، ووقعوا في هذا الفصام النكد الذي يقسم الحياة قسمين : قسما من اختصاص الله سبحانه وتعالى يُمَارس في داخل الكنيسة ، وقسماً لا علاقة له بالله يُمَارس في واقع الحياة .
وامتد بهم الفصام النكد ففصلوا بين الدين والعلم ، وبين الدين والسياسة ، وبين الدين والاقتصاد ، وبين الدين وعلاقات المجتمع .. بل فصلوا بين الدين والأخلاق !
وماذا كانت النتيجة ؟ كانت النتيجة هي الحيرة والقلق والاضطراب الذي يحكم حياتهم ، وحالات الجنون والانتحار والأمراض النفسية والعصبية المتزايدة ؛ لأن النفس البشرية الواحدة يحكمها إلهان مختلفان أو آلهة متعددة : إله في داخل الكنيسة ، وإله أو آلهة متعددة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والعلم والفكر والأخلاق . والله يمثل لهذه الحالة في القرآن فيقول :
( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) [ الزمر : 29 ] .
والمثل مضروب لتقريب حقيقة الألوهية للعرب المخاطبين بهذا القرآن أول مرة ، وقد كان عندهم نظام الرق ؛ فيقول لهم : هذا عبد يملكه شركاء متشاكسون كل منهم يأمره بأمر يختلف عن صاحبه ويجذبه إلى ناحيته ، فهل تكون حاله في هدوء وسكينة وسلام مثل العبد الذي يملكه رجل واحد فيوجّه إليه أوامر واحدة في اتجاه واحد ؟ طبعاً لا يستوون !