تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأقوى دليل على أن هذه العناية لم يكن القصد بها مجرد الرد على الشبهات القائمة في نفوس العرب المشركين وأهل الكتاب فحسب ، إن الحديث في التوحيد ، والدعوة إلى ترسيخ الإيمان به ، وتوسيع مساحته في النفس حتى يشمل كل أقطارها ، ظل يتنزل على المؤمنين في المدينة ، حتى بعد ان آمنوا ، وحتى بعد أن قام مجتمع مؤمن يقاتل في سبيل نصرة هذا الدِّين ، ودولة تحرسه من دون المعتدين :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ ) [ النساء : 136 ]

فالدعوة هنا - كما هو واضح - ليست للكفَّار ولكن للمؤمنين .. ودعوتهم إلى الإيمان - وهم مؤمنون بالفعل - معناها دعوتهم إلى الحرص على الإيمان وإلى مزيد من الإيمان !

نعم ، لقد جلّى القرآن قضية التوحيد وقضة الشرك بأجلى بيان .. وتتبعها في النفس البشرية بكل دروبها ومنحنياتها ، لكي لا يعشش الشرك في أي ناحية منها ولا يخالط أي عمل أو فكر أو شعور يصدر عن المؤمن أو يخطر في دخيلة نفسه .

لقد بين القرآن - بادئ ذي بدء - قضية على أقصى درجات الأهمية ، وهي أن الشرك ليس محصوراً في تقديم شعائر التعبد لغير الله ، ولكنه يشمل كذلك الحكم بغير ما أنزل الله :

( اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ) [ الأعراف : 3 ]

( وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) [ النحل : 35 ] .

فعدم اتباع ما أنزل الله - في آية " الأعراف " - صنو لاتباع الأولياء من دون الله ، أي أنه شرك . وآية " النحل " تفصل أعمال الشرك - على لسان المشركين - فإذا هي عبادة غير الله والتحريم ( والتحليل ) بغير إذن من الله ، أي عدم اتباع ما أنزل الله .

وجاء في [ النساء : 65 ] : ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) .

ركائز الايمان · الصفحة ٣٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ركائز الايمانص ٣٤٥