التاريخ . وبذلك فهي السيرة القطعية في التاريخ كله التي يمكن الوثوق بوقائعها وأحداثها ونسبتها إلى صاحبها صلى الله عليه وسلم . ومن خلال هذه السيرة - ومن خلال القرآن كذلك - حفظت اللمحات الصادقة من سِير الأنبياء من قبل ، فلا حقَّ يوثق به من سير أولئك الأنبياء إلا ما ورد في القرآن أو الحديث . وفضلاً عن ذلك فإننا نستطيع أن نقرأ في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم سِير الأنبياء جميعاً ، فقد تجمّع في حياته صلى الله عليه وسلم ما تفرق في حياة الأنبياء من قبل !
(6) - شخصية جامعة
إن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم هي أعظم شخصية في تاريخ البشرية كله ، لا بالنسبة للعظماء من البشر فقط ، بل بالنسبة للأنبياء والرسل كذلك ، بما فيهم الرسل أولو العزم .
فإذا قسنا بمقاييس العظماء من البشر ، فإننا إذا وجدنا قائداً سياسياً في أمة نذر نفسه للقيادة السياسية وانقطع لها ، فوجد أمته في شتات ، لا يربط بينها رباط ، ولا تجتمع على كلمة ولا هدف ، فاستطاع من خلال قيادته الحكيمة ، وتأثير شخصيته أن يجمع الأمة من شتاتها ، ويوجد لها الرباط الذي يجعل منها أمة متماسكة ، ووحّد كلمتها ، ورسمَ لها هدفاً تتجمع حوله فتنسى خلافاتها وتتآلف قلوبها .. ثم برز إلى المعترك الدولي بهذه الأمة بعد توحيدها ، فأحلها مكاناً مرموقاً بين دول العالم وشعوبه ، وجعل لها احتراماً وتقديراً بينهم .. فبماذا نسمي ذلك القائد السياسي في لغتنا ، وكيف نصفه ؟ ألا نقول : إنه رجل عظيم ؟ وهو قد انقطع لهذه المهمة وحدها دون سواها ؟
فكيف إذا كان هذا جانباً واحداً من جوانب متعددة تشملها شخصية الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ، وكيف إذا كان وهو لم ينقطع لهذه المهمة وحدها ، قد بذّ فيها أيّ سياسيّ في التاريخ ممن تخصصوا في القيادة السياسية فحسب ؟