تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام، وإلى رجز يوم الخصام، أو حين يمتح على رأس بئر، أو يحدو ببعير، أو عند المقارعة والمناقلة، أو عند صراع أو في حرب، فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب، وإلى العمود الذي إليه يقصد، فتأتيه المعاني أرسالا، وتنثال عليه الألفاظ انثيالا "ج2: البيان والتبيين".

واستمر ذلك شأنهم حتى نشأ الذين تكسبوا بالشعر والتمسوا به الصلات والجوائز، وجعلوه للسماطين وأيام الحفل، كالنابغة وزهير والأعشى وغيرهم فلم يجدوا من السبب ما وجد الذين قبلهم؛ لأن الشاعر إذا مدح اليد وأشاد بالصنيعة لم يكن له بد من التكلف والاستكراه، إذ يعلم أنه لا يقبل منه عفو الكلام؛ ولأن ذلك المقام لا تجدي فيه غير المبالغة التي تكون من استعراض الصفات وتخير المعاني والتغلغل والإغراق وأشباهها، فكان من ذلك القيام على الشعر ومعاودة النظر فيه وتتبع الشاعر على نفسه حتى يخرج شعره مستويا في الجودة؛ لأن الطبع في مثل تلك المعاني يندفع ويتبلد، ويضعف ويتجلد، فإذا لم تجتذب الألفاظ ولم تجتلب المعاني جاء الشعر جديدا مرقعا أو لبيسا ممزقا، فلا يصلح أن تكون حلة الفخر التي لا تبلى على الدهر؛ وقد يكون من أسباب ذلك أيضا أن الشعر لما فشا فيهم بعد نبوغ امرئ القيس ومن في طبقته، وكان الشعراء يستعينون عليه بالروية استجماعا لمحاسنه خشي آخرهم أن يقصر عن أولهم إذا هو لم يجار سنة النمو والارتقاء، فكان يبيت المعاني يلتمس لها وجوه الصنعة، ويدع القصيدة تمكث عنده زمنا طويلا يردد فيه نظره ويقلب رأيه ويرصد أوقات نشاطه، فيجعل عقله زماما على رأيه، ورأيه عيارا على شعره؛ وكانوا يسمون تلك القصائد الحوليات والمقلدات والمنقحات والمحكمات، ليصير قائلها فحلا خنذيذا وشاعرا مفلقا "ج1: البيان".

وأول من ذهب لذلك منهم طفيل الغنوي؛ وكان يسمى محبرا لحسن شعره "العمدة" وكلا السببين قد اجتمعا في زهير؛ لأنه كان يروي شعر ثلاثة من الفحول منهم طفيل، وكان مذهب شعره المديح كما ستراه في الكلام عنه؛ ولذلك كان أول من اشتهر بالثبات المحكك1 من الشعر، وهو الذي كان يسمي كبار قصائده الحوليات؛ لأنه ينظم القصيدة منها في شهر ثم لا يزال ينقحها ويهذبها حتى يمر عليها الحول؛ غير أن مثل زهير من أهل السيادة والورع لا يمدح لرغبة ولا يكذب في مديح، فكان بديهيا أن يكون من بعض بواعثه على الرواية مغالبة الأنفة ومدافعة الطبع والتماس عذر النفس الأبية في صدق المديح، وهذا كله مما لا يغني فيه الارتجال شيئا.

وما ظهرت الصنعة والتجويد في الشعر حتى اتقته العرب اتقاء شديدا؛ لأنها رأت الشاعر في ترويته إنما يسم كلماته فلا يرمي بها إلا قاتلا، ولا جرم كان ذلك أيضا سببا من الأسباب في ضعف

تاريخ آداب العرب · الجزء ٣ · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ آداب العربج ٣ · ص ٣٣