تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال صاحب "جمال القراءة": إن أول ما غني به القرآن قراءة الهيثم "أما السفينة" كما تقدم، فلعل ذلك أول ما ظهر منه.

ولم يكن يعرف من مثل هذا شيء لعهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا لعهد أصحابه وتابعيهم إلا ما رواه الترمذي في "الشمائل" واختلفوا في تفسيره؛ فقد روي بإسناده عن عبد الله بن مغفل قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على ناقة يوم الفتح "فتح مكة" وهو يقرأ: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ قال: فقرأ ورجع. وفسره ابن مغفل بقوله: آآآ بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة، ثلاث مرات ولا خلاف بينهم في أن هذا الترجيع لم يكن ترجيع غناء1.

وكان في الصحابة والتابعين رضي الله عنهم من يحكم القراءة على أحسن وجوهها ويؤديها بأفصح مخرج وأسراه، فكأنما يسمع منه القرآن غضا طربا، لفصاحته وعذوبة منطقه وانتظام نبراته، وهو لحن اللغة نفسها في طبيعتها لا لحن القراءة في الصناعة، على أن كثيرا من العرب كانوا يقرءون القرآن ولا يعفون ألسنتهم مما اعتادته في هيئة إنشاد الشعر، مما لا يحل بالأداء، ولكنه يعطي القراءة شبها من الإنشاد قريبا، لتمكن ذلك منهم وانطباع الأوزان في الفطرة، حتى قيل في بعضهم: إنه يقرأ القرآن كأنه رجز الأعراب.

وهذا عندنا هو الأصل فيما فشا بعد ذلك من الخروج عن هيئه الإنشاد إلى هيئة التلحين، وخاصة بعد أن ابتدع الزنادقة في إنشاد الشعر هذا النوع الذي يسمونه التغيير، ولم يكن معروفا من إنشاد الشعراء قبل ذلك2 وهو أنهم يتناشدون الشعر بالألحان فيطربون ويرقصون ويرهجون؛ ويقال لمن يفعلون ذلك: المغبرة3. وعن الشافعي رحمه الله: أرى الزنادقة وضعوا هذا التغيير ليصدوا الناس عن ذكر الله وقراءة القرآن.

وبالجملة فإن التعبد بفهم معاني القرآن في وزن التعبد بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم.

وقد عد العلماء القراءة بغير هذا التجويد لحنا خفيا؛ لأن المختص بمعرفته وتمييزه هم أهل القراءة الذين تلقوه من أفواه العلماء، وضبطوه من ألفاظ أئمة أهل الأداء.

تاريخ آداب العرب · الجزء ٢ · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ آداب العربج ٢ · ص ٤٢