الأبدي الذي يشهد على الدهر ويشهد الدهر عليه، فما من جهة من الكلام وفنونه إلا وأنت واجد إليها متوجها فيه، وما من عصر إلا وهو مقلب صفحة منه حتى لتنتهي الدنيا عند خاتمته فإذا هي خلاء "من الجنة والناس"1.
ولقد أراد الله أن لا تضعف قوة هذا الكتاب، وأن لا يكون في أمره على تقادم الزمن خضع أو تطامن2، فجاءت هذه القوة فيه بأسبابها المختلفة على مقدار ما أراد، وهي قوة الخلود الأرضي التي خرج بها القرآن مخرج الشذوذ الطبيعي، فلا سبيل عليه ليد الزمن وحوادثه مما تبليه أو تستجده، إنما هو روح من أمر الله تعالى هو نزله وهو يحفظه، وقد قال سبحانه: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ ، ﴿فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله﴾ .
بيد أنه لا بد لنا من صدر نبتدئ به القول في تاريخه وجمعه وتدوينه وقراءته حتى تكون هذه سببا إلى الكلام في لغته وبلاغته، ثم إعجازه في اللغة والبلاغة؛ لأن بعض ذلك يريد بعضه، ونحن نستعين الله ونستمده ونستكفيه، فإن في يده مفتاح هذا الباب المغلق وما زال الناس قديما يأخذون في ناحيته ويختلفون إليه ويعتزمون في ذلك. وقليل منهم من وصل, وقليل من هؤلاء من اتصل، فاللهم عونك وتيسيرك.