النضح، للماء الخفيف، لرقة الحاء، والنضخ لما هو أقوى منه، وذلك لغلظ الخاء. ومنه أيضا قولهم: القد، للقطع طولا، والقط، له عرضا؛ وذلك لأن الطاء أحصر للصوت وأسرع قطعا له من الدال، فجعلوا الطاء لقطع العرض لقربه وسرعته، والدال لما طال من الأثر وهو قطعه طولا، والأمثلة من ذلك كثيرة في اللغة تبادر من يلتمسها، وقد أتى ابن جني بعدة منها، ونقل السيوطي في أوائل "المزهر" عن غيره أشياء أخرى وكلها تدل على أنهم يضبطون الألفاظ المقترنة المتقاربة بالمعاني، فيجعلون الحرف الأضعف فيها، والألين والأخفى والأسهل والأهمس، لما هو أدنى وأقل وأخف عملا أو صوتا، ويجعلون الحرف الأقوى والأشد والأظهر والأجهر، لما هو أقوى عملا وأعظم حسنا؛ ومن أجمع الأمثلة لذلك ما أورده الثعالبي في "فقه اللغة"، قال: إذا أخرج المكروب أو المريض صوتا رقيقا فهو الرنين، فإن أخفاه فهو الهنين، فإن أظهره فخرج خافيا فهو الحنين، فإن زاد فهو الأنين، فإن زاد في رفعه فهو الحنين.
7- إنهم قد يضيفون إلى اختيار الحرف تشبيه أصواتها بالأحداث المعبر عنها, وتقديم ما يضاهي أول الحدث "المعنى" وتأخير ما يضاهي آخره؛ سوقا للحرف على سمت المعنى المقصود والغرض المطلوب، كقولهم: شد الحبل؛ فالشين لما فيها من التفشي تشبه بصوت أول انجذاب الحبل قبل استحكام العقد، ثم يليها إحكام الشد والجذب، فيعبر بالدال التي هي أقوى من الشين لاسيما وهي مدغمة فهي أقوى لصيغتها وأدل على المعنى الذي أريد بها. وكذلك: جز الشيء، قدموا الجيم؛ لأنها حرف شديد، وأول الجر مشقة على الجار والمجرور جميعا، ثم عقبوا ذلك بالراء، وهي حرف تكرير، وكرروها مع ذلك في نفسها؛ وذلك لأن الشيء إذا جر على الأرض اضطرب في غالب الأمر صاعدا عنها ونازلا، وتكرر ذلك منه على ما فيه من التعتعة والقلق؛ فكانت الراء لما فيها من التكرير؛ ولأنها أيضا قد كررت في نفسها، أوفق بهذا المعنى من جميع الحروف.
ومما يلتحق بهذا الباب الذي هو نظام الألفاظ بالمعاني، ما وضعوه من حكاية الأصوات، وذلك أنهم يشتقون اللفظ من نفس الصوت القائم بمعناه على جهة الحكاية وتصوير الأشياء بأصواتها، وهذا النوع يعده أدباء الغربيين من مبدعات القرائح, ومما يحضرنا منه للعرب قولهم في حكاية صوت مصراعي الباب الكبير إذا أغلق: جلنبلق، وقول الشاعر:
جرت الخيل فقالت حبطقطق
قول الآخر في الإبل: "تداعين باسم السيب" يحكي صوت مشافرها؛ وهذا غير الأصوات التي يعبرون بها عن الأحداث وإن كانت مشتقة منها، كالعطعطة للأصوات المتتابعة في الحرب، والقهقهة للاستغراب في الضحك، وأمثال لذلك كثيرة.