حقوق استيفاء المال: وهي الحقوق التي تثبت لصاحبها بعقود يعقدها هو أو غيره، مثل: رجل باع شيئاً، فثبت له حق استيفاء الثمن، أو أقرض أحداً، فثبت له حق استيفاء الدين، أو أعلنت الحكومة له بجائزة، فثبت له حق استيفائها.
فبيع مثل هذه الحقوق ليس بيعاً للحقوق في الحقيقة، وإنما هو بيع لمال يتعلق به ذلك الحقّ، وإنه لا يجوز عند الحنفية؛ لكونه بيع الدين من غير مَن عليه الدين، أو لكونه بيع ما ليس عند الإنسان...
ويتعلق بهذا النوع ما يتعامل به البنوك والمؤسسات المالية في عصرنا من قطع الكمبيالات، وذلك أن البائع يبيع بضاعته بثمن مؤجّل، فيكتب له المشتري وثيقة بأنه يؤدّي الثمن يوم كذا في شهر كذا، تسمى هذه الوثيقة كمبيالة، ويسمى تاريخ أداء الثمن يوم نضج الكمبيالة، فيأخذ البائع هذه الكمبيالة ويذهب بها إلى البنك فيشتريها البنك منه بأقلّ من الثمن المكتوب فيها، ويسمى هذا البيع قطع الكمبيالة، ثم هذا البنك ربّما يبيع هذه الكمبيالة إلى رجل أو بنك آخر فيقطعها بأكثر مما قطعها البنك الأول؛ لكون مدة النضج أقرب، وهكذا ربما تجري على كمبيالة واحدة بياعات كثيرة قبل نضجها، وكلَّّما كان النضج أبعد كان سعر القطع أكثر، وكلما كان النضج أقرب كان سعر القطع أخفض.
وهذه المعاملة غير جائزة لكونها بيع الدين من غير من عليه الدين، أو لكونها مبادلة النقود بالنقود متفاضلة ومؤجلة، وحرمته منصوصة في أحاديث ربا الفضل، ولكن هذه المعاملة يمكن تصحيحها بتغيير طريقها، وذلك أن يوكل التاجر البنك باستيفاء دينه من المشتري، ويدفع إليه أجرة على ذلك، ثم يستقرض منه مبلغ الكمبيالة، ويأذن له أن يستوفي هذا القرض مما يقبض من المشتري بعد نضج الكمبيالة، فتكون هناك معاملتان مستقلتان:
الأولى: معاملة التوكيل باستيفاء الدين بالأجرة المعينة.
الثانية: معاملة الاستقراض من البنك والإذن باستيفاء القرض من الدين المرجو وصوله بعد نضج الكمبيالة.