تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(3) إن المسلم ينبغي له أن يتسامى عن الأخلاق الدنيئة، وعلى رأسها الغل والحقد، وأن يغلب عليه العفو والصفح، وقد أدب الله عز وجل رسوله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم" [فصلت: 34] (قال ابن عباس: أمره الله تعالى في هذا الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم) [الجامع لأحكام القرآن (15/314) ] .

وذلك الأمر ليس سهلا أو يسيرا، فهو يحتاج إلى صدق ومجاهدة، ولذا جاء بعد الآية السابقة قوله تعالى: (وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) [فصلت:35] ، أي وما يلقى (هذه الفعلة الكريمة والخصلة الشريفة "إلا الذين صبروا" بكظم الغيظ واحتمال الأذى، "وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم" أي نصيب وافر من الخير. قاله ابن عباس) [الجامع لأحكام القرآن (15/316) ] .

وقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه للتسامي والترفع، ابتغاء ما عند الله، فقال لهم: "ألا أدلكم على مكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك" أخرجه أحمد (17334) والبيهقي في الشعب (8080) ، وأصله في صحيح مسلم (814) .

وقد ضرب أبو بكر -رضي الله عنه- نموذجا رائعا في العفو والصفح، فقد شق عليه ما رميت به ابنته عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- من الإفك، وشق عليه أكثر أن يكون ممن خاض في الإفك مسطح بن أثاثة -رضي الله عنه- وكان أبو بكر -رضي الله عنه-ينفق عليه لقرابته منه وحاجته. فلما نزلت الآيات ببراءة عائشة -رضي الله عنها- قال أبو بكر -رضي الله عنه- والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، ولا أنفعه بنفع أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال، وأدخل عليها ما أدخل، فأنزل الله في ذلك: "ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم" [النور:22] ، فقال أبو بكر -رضي الله عنه-والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا [تفسير الطبري (9/288) ] .

وما أجمل تلك المشاعر التي حملتها تلك الأبيات:

إني شكوت لظالمي ظلمي وغفرت ذاك له على علم

رأيته أسدى إلي يدا لما أبان بجهله حلمي

رجعت إساءته عليه وإحساني فآب مضاعفا تجرمي

وغدوت ذا أجر ومحمدة وغدا بكسب الذم والإثم

مازال يظلمني وأرحمه حتى بكيت له من الظلم

(4) التحلي بالصفات التي يغلب على الظن أنها تسهم بقوة في إزالة الغل والحقد، ومن ذلك ما ما روي عن الرسول - صلى الله عليه وسلم: "تصافحوا يذهب عنكم الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء" [قال ابن عبد البر في التمهيد (21/11) : وهذا يتصل من وجوه شتى، حسان كلها] .

وروي عنه -صلى الله عليه وسلم-: "تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر". أخرجه الترمذي (2130) .

فتاوى واستشارات موقع الإسلام اليوم · الجزء ٢٠ · الصفحة ٣٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتاوى واستشارات موقع الإسلام اليومج ٢٠ · ص ٣٥٠