هل بنى الصحابة مسجدا على قبر أبي بصير؟
المجيب د. سعد بن عبد الله الحميد
أستاذ الدراسات العليا بجامعة الملك سعود
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ 14/06/1426ه
السؤال
اطلعت في بعض المواقع على حديث منسوب إلى مغازي موسى بن عقبة، أن أبا بصير-رضي الله عنه- لما توفي دفن بسيف البحر، وبني على قبره مسجد، فما درجة صحة هذا الحديث؟ وهل يصلح دليلا على جواز بناء المساجد على القبور؟ أفيدونا أفادكم الله، وجزاكم الله خيرا.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فهذا الحديث المشار إليه رواه موسى بن عقبة، كما في "الاستيعاب" لابن عبد البر (4/1613-1614) ، و"الاكتفاء" للكلاعي (2/184) ، و"تاريخ الإسلام" للذهبي (2/400) ، و"فتح الباري" لابن حجر (5/351) .
ومن طريق موسى بن عقبة أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (4/172- 175) فقال: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب العبدي، قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن موسى بن عقبة.
(ح) ، وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب - وهذا لفظ حديث القطان -، قال: ولما رجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة انفلت رجل من أهل الإسلام من ثقيف - يقال له: أبو بصير بن أسيد بن جارية الثقفي - من المشركين ... ، فذكر قصة أبي جندل وأبي بصير -رضي الله عنهما- المشهورة، وكيف قتل أبو بصير أحد الرجلين اللذين أخذاه من النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم خرج حتى أتى سيف البحر، وكيف انفلت أبو جندل بن سهيل من قريش، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فما سمعوا بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- تناشده أن يرسل إلى أبي بصير وأصحابه ... ، وفي آخره قال: "وكتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أبي جندل وأبي بصير يأمرهم أن يقدموا عليه، ويأمر من معهما ممن اتبعهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم، ولا يعترضوا لأحد مر بهم من قريش وعيرانها، فقدم كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زعموا -على أبي جندل وأبي بصير، وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في يده يقرؤه، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدا".
وأخرجه ابن عساكر في "تاريخ مدينة دمشق" (25/299-300) من طريق البيهقي السابق، ومن طريق الخطيب البغدادي، عن أبي الحسين بن الفضل القطان شيخ البيهقي، به.
والشاهد من هذه القصة: قوله: "وجعل عند قبره مسجدا".
وهذا ليس فيه دلالة على جواز بناء المساجد على القبور؛ لأمرين:
الأول: أن هناك فرقا بين قوله: «على قبره» ، وقوله: «عند قبره» ، فالمنهي عنه هو: «بناء المساجد على القبور» ، وليس «عند القبور» ؛ لما جاء في حديث عائشة -رضي الله عنها-: أن أم حبيبة وأم سلمة -رضي الله عنها- ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة". أخرجه البخاري (427) ، ومسلم (528) .
ومن المعلوم أن قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه -رضي الله عنهما- عند مسجده، ولو كان ذلك غير جائز لما قبروا هناك، فكان الأولى بهذا المستدل أن يستدل بهذا الذي هو أقوى وأصرح!!
ولكن الذي يظهر لي أنه وقع على خطأ جاء في الموضع السابق من "الاستيعاب" لابن عبد البر، فإن اللفظ عنده هناك جاء هكذا: «فدفنه أبو جندل مكانه، وصلى عليه، وبنى على قبره مسجدا» .
وطريقة أهل السنة في مثل هذه المواضع أنهم يأخذون بالمحكم، ويردون إليه المتشابه، فقد نقل هذا النص عن موسى بن عقبة عدد من أهل العلم، وكلهم قالوا: «عند قبره» ، ومنهم الكلاعي، والذهبي، وابن حجر، وكذا رواه عنه البيهقي وابن عساكر بإسناديهما كما سبق، ولم أجد من ذكر أن موسى بن عقبة قال في روايته: «على قبره» ، سوى ما جاء في كتاب ابن عبد البر، وهذا يحتمل أن يكون خطأ من الطباعة، فلا بد من مراجعة نسخ الكتاب الخطية، فإن وجد فيها كذلك فلعله تصحيف من النساخ، وربما كان من ابن عبد البر نفسه؛ فإنه ليس معصوما من الزلل، وقد ذكر هو في "كتاب الاستذكار" (1/521) : حديث سهو النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة، ثم قال: «وفي هذا الحديث بيان أن أحدا لا يسلم من الوهم والنسيان؛ لأنه إذا اعترى ذلك الأنبياء، فغيرهم بذلك أحرى» .
ونبه في "كتاب التمهيد" (1/366) على خطأ وقع فيه ابن شهاب الزهري بقوله: «لا أعلم أحدا من أهل العلم والحديث المصنفين فيه عول على حديث ابن شهاب في قصة ذي اليدين؛ لاضطرابه فيه، وأنه لم يتم له إسنادا ولا متنا، وإن كان إماما عظيما في هذا الشأن، فالغلط لا يسلم منه أحد، والكمال ليس لمخلوق، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا النبي -صلى الله عليه وسلم-» .
الأمر الثاني: أن موسى بن عقبة رواه عن الزهري مرسلا، والمرسل ضعيف كما هو مقرر عند أهل الحديث، فلا تقوم بهذه الرواية حجة.
ويزداد ضعف هذه الرواية بكونها من مراسيل ابن شهاب الزهري، فإنها رديئة عند طائفة من أهل العلم بالحديث.
قال ابن أبي حاتم في "المراسيل" (ص3) : "حدثنا أحمد بن سنان؛ قال: كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئا، ويقول: هو بمنزلة الريح".
وقال أيضا: «قرئ على عباس الدوري، عن يحيى بن معين قال: مراسيل الزهري ليس بشيء» .
وروى ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (55/368) عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد قال: سمعت يحيى بن سعيد [يعني: القطان] يقول: «مرسل الزهري شر من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكلما قدر أن يسمي سمى، وإنما يترك من لا يحسن أو يستجيز أن يسميه» .
وروى أيضا هو والخطيب البغدادي في "الكفاية" (ص386) من طريق أحمد بن أبي شريح الرازي، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي الذاب عن أهل السنة، والمنكر على أهل البدعة - رضوان الله عليه ورحمته - يقول: «إرسال الزهري عندنا ليس بشيء، وذلك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم» .
وفي لفظ؛ قال: سمعت الشافعي يقول: «يقولون: نحابي، ولو حابينا لحابينا الزهري! وإرسال الزهري ليس بشيء، وذاك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم» .
وسليمان بن أرقم هذا متروك الحديث، كما قال أبو داود وأبو حاتم والترمذي وأبو أحمد الحاكم والدارقطني وغيرهم، وقال البخاري: تركوه. انظر "تهذيب التهذيب" (4/148) .
وروى ابن عساكر أيضا (55/369) عن علي بن المديني ويعقوب بن شيبة أنهما قالا: «مرسلات الزهري رديئة» .
ولما أورد الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (5/339) بعض هذه الأقوال؛ قال: «قلت: مراسيل الزهري كالمعضل؛ لأنه يكون قد سقط منه اثنان، ولا يسوغ أن نظن به أنه أسقط الصحابي فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحه، ولما عجز عن وصله، ولو أنه يقول: عن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن عد مرسل الزهري كمرسل سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ونحوهما، فإنه لم يدر ما يقول، نعم مرسله كمرسل قتادة ونحوه» .
هذا، وقد روى البخاري في "صحيحه" (2731 و2732) أصل قصة أبي بصير وأبي جندل ومن معهم رضي الله عنهم، ولم يذكر هذه اللفظة أصلا، لا بلفظ «عند قبره» ، ولا غيره، ورواه متصلا، فقال: حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق. أخبرنا معمر، قال: أخبرني الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان - يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه - قالا: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زمن الحديبية ... ، فذكر حديث صلح الحديبية بطوله، وفيه قصة أبي جندل وأبي بصير -رضي الله عنهما- المشهورة، وكيف قتل أبو بصير أحد الرجلين اللذين أخذاه من النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم خرج حتى أتى سيف البحر، وكيف انفلت أبو جندل بن سهيل من قريش، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فما سمعوا بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- تناشده بالله والرحم أن يرسل إلى أبي بصير وأصحابه: فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- إليهم، فأنزل الله تعالى: (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم) حتى بلغ: (الحمية حمية الجاهلية) [الفتح: 26] ، وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت.
هكذا رويت هذه القصة بالإسناد المتصل، ولم تذكر فيها وفاة أبي بصير -رضي الله عنه- ولا أنه بني على قبره مسجد.
ثم إن البخاري روى الحديث (2733) عقب هذه الرواية تعليقا، فقال: وقال عقيل عن الزهري. قال عروة: فأخبرتني عائشة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يمتحنهن، وبلغنا أنه لما أنزل الله -تعالى- أن يردوا إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر من أزواجهم، وحكم على المسلمين أن لا يمسكوا بعصم الكوافر: أن عمر طلق امرأتين. وما نعلم أحدا من المهاجرات ارتدت بعد إيمانها، وبلغنا أن أبا بصير بن أسيد الثقفي قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤمنا مهاجرا في المدة، فكتب الأخنس بن شريق إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يسأله أبا بصير، فذكر الحديث. اه، وانظر (4182) .
وأوضح الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (5/351) مراد البخاري بصنيعه هذا فقال: «قوله: "قال عقيل، عن الزهري" تقدم موصولا بتمامه في أول الشروط. وأراد المصنف بإيراده: بيان ما وقع في رواية معمر من الإدراج. قوله: "وبلغنا" هو مقول الزهري، وصله ابن مردويه في تفسيره من طريق عقيل. وقوله: "وبلغنا أن أبا بصير ... " إلخ، هو من قول الزهري أيضا، والمراد به: أن قصة أبي بصير في رواية عقيل من مرسل الزهري، وفي رواية معمر موصولة إلى المسور، لكن قد تابع معمرا على وصلها ابن إسحاق كما تقدم، وتابع عقيلا الأوزاعي على إرسالها، فلعل الزهري كان يرسلها تارة، ويوصلها أخرى، والله أعلم» . وانظر "فتح الباري" (7/455) أيضا.
وخلاصة ما تقدم: أنه لم يثبت في شيء من طرق هذا الحديث الصحيحة ذكر وفاة أبي بصير - واسمه: عتبة بن أسيد بن جارية - رضي الله عنه بسيف البحر، وأنه بني عند قبره مسجد، وورد في طريق مرسلة ضعيفة أرسلها الزهري - وانفرد بها عن الزهري موسى بن عقبة -: «فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدا» ، وهذه اللفظة لو ثبتت لم يكن فيها حجة، فالمنهي عنه هو: «بناء المساجد على القبور» ، وليس «عند القبور» ، فكيف وهي لم تثبت؟!! والله أعلم.