تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حديث توسل الأعمى بالنبي

المجيب محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله -

عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وعضو هيئة كبار العلماء

التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها

التاريخ 26/2/1424ه

السؤال

بسم الله الرحمن الرحيم.

سؤالي بخصوص الحديث الشريف "أن رجلا ضرير البصر أتى النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال ادع الله لي أن يعافيني، فقال إن شئت أخرت لك، وهو خير وإن شئت دعوت فقال ادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة يا محمد إني قد توجهت بك إلى ربي في حاجتي، هذه لتقضى اللهم شفعه في" وإسناده صحيح.

السؤال هو: أليس في هذا الحديث سؤال برسول الله -عليه الصلاة والسلام- وهو شيء منهي عنه؟ سؤالي سؤال الجاهل لا المعترض.

جزاكم الله خيرا.

الجواب

سئل فضيلة الشيخ عن هذا الحديث: أن أعمى أتى إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله ادع الله أن يكشف عن بصري. قال: "أو أدعك"، قال: يا رسول الله إنه قد شق علي ذهاب بصري، فقال:"فانطلق فتوضأ ثم صلى ركعتين ثم قل: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد، - صلى الله عليه وسلم- نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي" ما صحة هذا وما معناه؟

فأجاب قائلا: هذا الحديث اختلف أهل العلم في صحته، فمنهم من قال إنه ضعيف، ومنهم من قال إنه حسن، وقد رواه الترمذي (3578) ، وقال حسن صحيح غريب، وصححه الألباني - رحمه الله-، ولكن له وجهة ليست كما يتبادر من اللفظ، فإن هذا الحديث معناه أن النبي - صلى الله عليه وسلم- أمر هذا الرجل الأعمى أن يتوضأ ويصلي ركعتين؛ ليكون صادقا في طلب شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم- له، وليكون وضوؤه وصلاته عنوانا على رغبته في التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم- والتوجه به إلى الله - سبحانه وتعالى-،فإذا صدقت النية وصحت وقويت العزيمة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم- يشفع له إلى الله - عز وجل-، وذلك بأن يدعو النبي - صلى الله عليه وسلم- له فإن الدعاء نوع من الشفاعة، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه" مسلم (948) ، فيكون معنى هذا الحديث أن هذا الأعمى يطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم- أن يدعو الله له، لأن هذا الدعاء نوع شفاعة. أما الآن وبعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم- فإن مثل هذه الحال لا يمكن أن تكون لتعذر دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم- لأحد بعد الموت، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم- "إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" مسلم (1631) ، والدعاء بلا شك من الأعمال التي تنقطع بالموت، بل الدعاء عبادة كما قال الله - تعالى -: "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين" [غافر:60] ، ولهذا لم يلجأ الصحابة- رضي الله عنهم- عند الشدائد وعند الحاجة إلى سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم- أن يدعو الله لهم، بل قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- حين قحط المطر "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون" البخاري (1010) ، وطلب من العباس - رضي الله عنه- أن يدعو الله - عز وجل- بالسقيا فدعا فسقوا. وهذا يدل على أنه لا يمكن أن يطلب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بعد موته أن يدعو لأحد، لأن ذلك متعذر لانقطاع علمه بموته صلوات الله - وسلامه عليه-، وإذا كان لا يمكن لأحد أن يطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم- فإنه لا يمكن - ومن باب أولى - أن يدعو أحد النبي - صلى الله عليه وسلم- نفسه بشيء من حاجاته أو مصالحه، فإن هذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، والذي حرم الله على من اتصف به الجنة، قال الله - تعالى-: "ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين" [يونس:106] وقال - تعالى- "فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين" [الشعراء:213] ، وقال الله - عز وجل-: "ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون" [المؤمنون:117] . وقال - تعالى- "إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار" [المائدة: من الآية72] ، فالمهم أن من دعا رسول الله - صلى الله عله وسلم- بعد وفاته أو غيره من الأموات لدفع ضرر أو جلب منفعة فهو مشرك شركا أكبر مخرجا عن الملة، وعليه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى، وأن يوجه الدعاء إلى العلي الكبير، الذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، وإني لأعجب من قوم يذهبون إلى قبر فلان وفلان يدعونه أن يفرج عنهم الكربات ويجلب لهم الخيرات، وهم يعلمون أن هذا الرجل كان في حال حياته لا يملك ذلك فكيف بعد موته؟! بعد أن كان جثة، وربما يكون رميما قد أكلته الأرض، فيذهبون يدعونه ويتركون دعاء الله - عز وجل-، الذي هو كاشف الضر وجالب النفع والخير، مع أن الله -تعالى - أمرهم بذلك وحثهم عليه، فقال: "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم" [غافر: من الآية60] . وقال - تعالى-:" وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان" [البقرة: من الآية186] .

وقال تعالى منكرا على من دعا غيره:"أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله" [النمل:62] ، أسأل الله تعالى أن يهدينا جميعا صراطه المستقيم.

[مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ: محمد بن عثيمين -رحمه الله- (2/348) ]

فتاوى واستشارات موقع الإسلام اليوم · الجزء ١ · الصفحة ٣٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتاوى واستشارات موقع الإسلام اليومج ١ · ص ٣٩٨