تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا حديث موضوع

المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني

عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى

التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها

التاريخ 3/8/1422

السؤال

وجدت الحديث التالي وأريد أن أعرف معناه ومدى صحته من إحدى المنتديات عن أبي هريرة رفعه قال: ((كلم الله هذا البحر الغربي، وكلم البحر الشرقي، فقال للغربي: إني حامل فيك عبادا من عبادي، فكيف أنت صانع بهم؟)) قال أغرقهم قال: بأسك في نواحيك، وحرمه الحلية والصيد

وكلم هذا البحر الشرقي، فقال: إني حامل فيك عبادا من عبادي، فما أنت صانع بهم؟ ((قال: أحملهم على يدي، وأكون لهم كالوالدة لولدها، فأثابه الحلية والصيد. ثم قال لا تعلم أحدا)) جزاكم الله خيرا.

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:

أولا: الحديث موضوع مكذوب على النبي -صلى الله عليه وسلم-، لا تجوز نسبته إليه -صلى الله عليه وسلم- بحال من الأحوال.

وبيان ذلك أن الحديث باللفظ الذي ذكره السائل أخرجه البزار في مسنده (كما في كشف الأستار عن زوائد البزار: 2/265 - 266 رقم 1669) ، من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم قال البزار عقبه: "تفرد به عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة: عبد الرحمن، وهو منكر الحديث وقد رواه سهيل، عن النعمان بن أبي عياش، عن عبد الله بن عمرو موقوفا)) .

فهنا قد بين البزار سبب رد الحديث:

فهو من جهة: يرويه رجل متهم بالكذب هو عبد الرحمن بن عبد الله العمري حتى قال الإمام أحمد (كما في العلل ومعرفة الرجال: رقم 4364) : "أحاديثه مناكير، كان كذابا"، وكفى بمن كذبه الإمام أحمد - على ورعه وإنصافه - سوءا.

ولذلك أنكر هذا الحديث عليه عامة أهل العلم: كالعقيلي في الضعفاء (2/748) ، وابن حبان في المجروحين (2/53-54) ، وابن عدي في الكامل في معرفة ضعفاء المحدثين (4/277) ، وابن الجوزي في العلل المتناهية (رقم 33) . بل إن ابن عدي لما أورده، قال بعد إيراده: "هو أفظع حديث أنكر عليه".

ثم هو من جهة أخرى إنما يروى من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن كعب الأحبار، أو من حديث عبد الله بن عمرو من كلامه لا يرفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-. (كما تراه في المصادر الأتيه: السنن لسعيد بن منصور (رقم 2389) ، وتاريخ بغداد للخطيب (10/233-235) ، والعلل المتناهية لابن الجوزي (رقم 35، 36) .

وهذا يعني أن الحديث من الإسرائيليات، إما أن عبد الله بن عمرو بن العاص أخذه عن كعب الأحبار، وهو من علماء اليهود الذين أسلموا وحسن إسلامهم، فكانت تنقل عنه بعض أخبار كتب أهل الكتاب. وإما أن عبد الله بن عمرو أخذ هذا الخبر عن كتب بني إسرائيل مباشرة، وإلى ذلك مال ابن كثير في كتابه (البداية والنهاية1/52) وبهذا نعلم أن هذا الحديث إنما هو من الإسرائيليات، وهي الأخبار عن التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب اليهود والنصارى. والمسلمون يؤمنون بأن الله - عز وجل - أنزل التوراة على موسى عليه السلام والإنجيل على عيسى عليه السلام وأنزل كتبا أخرى على أنبيائه عليهم السلام، بل هذا أحد أركان الإيمان عند المسلمين، كما قال تعالى: "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله"، وقال -صلى الله عليه وسلم- لما سأله جبريل عليه السلام عن الإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" أخرجه مسلم (8) من حديث عمر، لكن كما يؤمن المسلمون بذلك، ولا يصح إيمانهم إلا به، فإنهم يؤمنون كذلك أن هذه الكتب قد حرفت وبدلت، وأعظم ما حرف فيها عقيدة التوحيد، كما قال تعالى: "وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون" وقال سبحانه: "فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون" وقال عز وجل: " من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه"

ومع ذلك كله فلأن هذا الدين دين الله عز وجل، فقد جعل الله تعالى العدل واحدا من أعظم خصائصه "وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم " وقياما بفريضة العدل والإنصاف وبناء على الأدلة التي جاءت في موضوع الإسرائيليات، وبملاحظة واقع هذه الإسرائيليات فقد قسم العلماء الإسرائيليات إلى ثلاثة أقسام:

الأول: ما نؤمن بمضمونه ونصدق به، وهو ما وافق القرآن والسنة ونحن في هذا القسم مستغنون بما لدينا عما لديهم.

الثاني: ما نكذبه ونقطع بتحريفه، وهو ما خالف الكتاب والسنة.

الثالث: ما قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم" أخرجه البخاري (4485) ، وهو مالم نجد في الكتاب والسنة دليلا على صدقه أو على كذبه، وهذا القسم هو الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-:" حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"أخرجه أبو داود (3662) من حديث أبي هريرة. وغالب الإسرائيليات الثابتة عن السلف، أو المذكورة في كتب أئمة السنة (كتفسير الطبري وابن كثير) هي من القسم الأول والثالث. أما القسم الثاني فلا يذكرونها غالبا إلا مع بيان بطلانها، ومخالفتها للحق الوارد في الكتاب والسنة والحديث الذي يسأل عنه السائل هو من القسم الثالث، ولذلك حدث به عبد الله بن عمرو (رضى الله عنه) فليس لدينا دليل بصدقه، ولا دليل بكذبه وهو إن كان قد رفع الحرج عن التحديث به، إلا أن الانشغال بغيره مما قد يقع الحرج بسبب الجهل به أولى وأحق، كفرائض الإسلام وسننه والله ينفعنا وإياكم بالعلم النافع، وييسر لنا جميعا العمل المتقبل الصالح. والله أعلم.

فتاوى واستشارات موقع الإسلام اليوم · الجزء ١ · الصفحة ٣٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتاوى واستشارات موقع الإسلام اليومج ١ · ص ٣٨٤