وهذا ظاهر ولكن الخفاء في تحقيق المناط. وإيضاحه أن يقال: بأي وجه يتيقن عدم إفادة الذكرى حتى يباح تركها. وبيان ذلك أنه تارة يعلمه بإعلام الله له به كما وقع في أبي لهب حيث قال تعالى فيه: ﴿سيصلى نارا ذات لهب، وامرأته﴾ الآية. فأبو لهب هذا وامرأته لا تنفع فيهما الذكرى لأن القرآن نزل بأنهما من أهل النار بعد تكرار التذكير لهما تكرار تقوم عليهما به الحجة فلا يلزم النبي صلى الله عليه وسلم بعد علمه بذلك أن يذكرهما بشيء لقوله تعالى في هذه الآية: ﴿فذكر إن نفعت الذكرى﴾ . وتارة يعلم ذلك بقرينة الحال بحيث يبلغ على أكمل وجه ويأتي بالمعجزات الواضحة فيعلم أن بعض الأشخاص عالم بصحة ثبوته وأنه مصر على الكفر عنادا ولجاجا فمثل هذا لا يجب تكرير الذكرى له دائما بعد أن تكرر عليه تكريرا تلزمه به الحجة. وحاصل إيضاح هذا الجواب أن الذكرى تشتمل على ثلاث حكم:
خروج فاعلها من عهدة الأمر بها.
الأولى:
رجاء النفع لمن يوعظ بها وبين الله تعالى هاتين الحكمتين بقوله تعالى: ﴿قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون﴾ وبين الأولى منها بقوله تعالى: ﴿فتول عنهم فما أنت بملوم﴾ . وقوله تعالى: ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ ونحوها من الآيات. وبين الثانية بقوله: ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ .
الثانية: