5= ألْحَق بها العلماء ما اشترك معها في العِلّة؛ لأن الْحُكم يدور مع عِلّته وُجودا وعَدَمًا.
والقاعدة عند أهل العِلْم: الْمُؤذي طَبعا يُقتَل شَرْعًا.
ولذلك قال الإمام مالك: وكل شيء لا يَعْدو من السباع، مثل الهر والثعلب والضبع وما أشبهها، فلا يقتله الْمُحْرِم، وإن قتله وَدَاه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن في قتل السباع، وإنما أذن في قتل الكلب العقور. قال: وصغار الذئاب لا أرى أن يقتلها الْمُحْرِم، فإن قتلها فَدَاها، وهي مثل فراخ الغربان أيذهب يصيدها؟!
قال الخطابي: وإنما أباح قتلهن دَفعا لعاديتهن؛ لأنهن كلهن مِن بَين عادٍ قتّال، أو مؤذ ضرار.
وقال ابن بطال: فإذا أباح عليه السلام قتل الكلب العقور لخوف عقره وضرره، فالسبع الذي يفترس ويقتل أعظم وأولى؛ لأنه لا يجوز أن يمنع من قتله مع إباحة قتل ما هو دونه. اهـ.
قال ابن المنذر: أجمع كل من يُحفظ عنه من أهل العلم على أن السبع إذا بَدأ الْمُحْرِم فقتله لا شيء عليه. قال ابن قدامة: ويُحتمل أنه أراد ما كان طبعة الأذى والعدوان وإن لم يوجد منه أذى في الحال.
وقال الْخِرقي: وله أن يقتل الحدأة والغراب والعقرب والفأرة والكلب العقور، وكل ما عدا عليه أو آذاه، ولا فِداء عليه.
قال ابن قدامة: هذا قول أكثر أهل العلم.
وقال أيضا: يُباح لك ما فيه أذى للناس في أنفسهم أو في أموالهم مثل سباع البهائم كلها المحرَّم أكلها، وجوارح الطير كالبازي والعقاب والصقر والشاهين ونحوها، والحشرات المؤذية والزنبور والبقّ والبعوض والبراغيث والذباب، وبهذا قال الشافعي، وقال أصحاب الرأي: يقتل ما جاء في الخبر والذئب قياسًا عليه.
واختار ابن قدامة " أن الخبر نَصّ من كل جنس على صورة من أدناه تنبيهًا على ما هو أعلى منها ودلالة على ما كان في معناها، فَنَصّه على الحدأة والغراب تنبيه على البازي ونحوه، وعلى الفأرة تنبيه على الحشرات، وعلى العقرب تنبيه على الْحَيَّات، وعلى الكلب العقور َتنبيه على السِّباع التي هي أعلى منه، ولأن ما لا يُضمن بمثله ولا بِقيمته لا يُضمن كالحشرات. اهـ.
وقال النووي: وَاتَّفَقَ جَمَاهِير الْعُلَمَاء عَلَى جَوَاز قَتْلهنَّ فِي الْحِلّ وَالْحَرَم وَالإِحْرَام، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوز لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَقْتُل مَا فِي مَعْنَاهُنَّ. اهـ.
6= قوله: " كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ " مِن الفِسْق اللغوي، وهو الخروج.
قال الخطابي: أصل الفسق الخروج من الشيء، ومنه قوله تعالى: (فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) أي: خَرَج. وسُمِّي الرجل فاسقا لانْسِلاخِه من الخير. ورَجّح أن الْمُراد بالفسق هو الخروج من الحرمة.
وقال القاضي عياض: أصل الفسق الخروج عن الشيء، ومنه سُمِّي هؤلاء فواسق لخروجهم عن الانتفاع بهم، أو السلامة منهم إلى الإضرار والأذى.
وقال ابن بطال: سَمّاهن فواسق لفسقهن وخروجهن لِمَا عليه سائر الحيوان، لِمَا فيهن من الضرر. اهـ.
7= قوله: " يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ "، تقدّم أن في بعض روايات الصحيح: " في الْحِلّ والْحَرَم "، والتنصيص على الْحَرَم يدل بِدلالة الأوْلَى أن يُقتَلْن في الْحِلّ؛ لأن الْحَرَم أعظم حُرمة، فإذا جاز قتلها في الْحَرَم فقَتْلُها في الْحِلّ أوْلى.
8= لم يأت في حديث عائشة على أنه يَقتلهن الْمُحْرِم، وإنما جاء فيه النصّ على أنهن يُقتَلْن في الْحَرَم، وقد جاء صَريحا في حديث ابن عمر، فقد رواه مسلم من طريق سالم عن أبيه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خمس لا جناح على مَن قَتلهن في الحرم والإحرام: الفارة والعقرب والغراب والحدأة والكلب العقور.
وفي رواية له: خمس مَن قتلهن وهو حَرام فلا جناح عليه ...
فقوله: وهو حرام: يعني وهو مُحرِم. ففي رواية للبخاري: خمس من الدواب مَن قَتلهن وهو مُحْرِم فلا جناح عليه ...