ولنا عموم قوله عليه السلام: عُفِي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما اسْتُكْرِهوا عليه. وروى يعلى بن أمية أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة وعليه جُبّة، وعليه أثر خَلُوق - أو قال أثر صُفرة - فقال: يا رسول الله كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: اخلع عنك هذه الْجُبّة، واغسل عنك أثر هذا الخلوق - أو قال أثر الصفرة - واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك. متفق عليه
وفي لفظ: قال: يا رسول الله أحرمت بالعمرة وعليّ هذه الجبة. فلم يأمره بالفدية مع مسألته عما يَصْنَع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز إجماعا.
دَلّ على أنه عُذر لجهله، والجاهل والناسي واحد.
ولأن الحج عبادة يجب بإفسادها الكفارة، فكان من محظوراته أنه ما يُفَرّق بين عمده وسهوه، كالصوم، فأما الحلق وقتل الصيد فهو إتلاف لا يمكن رَدّ تَلافِيه بإزالته.
إذا ثبت هذا فإن الناسي مَتَى ذَكَر فعليه غسل الطيب وخلع اللباس في الحال، فإن أخَّرَ ذلك عن زمن الإمكان فعليه الفدية. اهـ.
وقال النووي: إذا فَعَل الْمُحْرِم محظورا من محظورات الإحرام ناسيا أو جاهلا، فإن كان إتلافا كقتل الصيد والْحَلْق والقَلْم، فالمذهب وجوب الفدية، وفيه خلاف ضعيف سبق بيانه، وإن كان استمتاعا مَحْضاً كالطيب واللباس ودَهن الرأس واللحية والقُبلة واللمس وسائر المباشَرَات بالشهوة -
ما عدا الجماع - فلا فدية، وإن كان جماعا فلا فدية في الأصح. والله أعلم.
وقال: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه إذا لَبِس أو تطيّب ناسيا لإحرامه أو جاهلا تحريمه فلا فدية، وبه قال عطاء والثوري وإسحاق وداود.
وقال مالك وأبو حنيفة والمزني وأحمد - في أصح الروايتين عنه - عليه الفدية، وقَاسُوه على قتل الصيد. ودليلنا ما ذَكَره المصنف. والفرق أن قتل الصيد إتلاف وأما إذا وطئ ناسيا أو جاهلا، فقد ذكرنا أن الأصح عندنا أنه لا يفسد نسكه، ولا كفارة. وقال مالك وأبو حنيفة: يفسد ويلزمه القضاء والكفارة. اهـ.
9= لو رَكِب حاج أو مُعتَمِر طائرة ولم يَكن معه ملابس للإحرام، فإنه إذا حاذى الميقات يُلبِّي، ويتخفّف من الملابس ما استطاع، فيُزيل غطاء الرأس، والجوارب – إذا كان رجلا – والثوب ونحوه من غير كشف للعورة، فإنه إذا فَعَل ذلك كان مُخيَّراً بين ثلاث، وهي كفارة الأذى الواردة في هذا الحديث.
أما إذا أخَّر الإحرام إلى المطار – وكان جاوز الميقات – فإنه يلْزَمه دم (ذبح شاة) توزّع على فقراء الحرم
10= قوله: " فَرَقاً بَيْنَ سِتَّةٍ " أي بين سِتّة مساكين.
والْفَرَق: ثلاثة آصع.
يعني يُفرِّق ثلاثة أصواع بين ستة مساكين، فيكون لِكلّ مسكين نِصف صاع.
11= اختُلِف في الإطعام والذبح. هل يكون في الْحَرَم أو يجوز في غيره؟
وهل يُذبَح في الْحِلّ ويُوزّع في الْحَرَم؟
ليس في المسألة نَصّ، إلا ما كان في جزاء الصيد، فإنه منصوص عليه في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ).
قال القرطبي في التفسير: اخْتَلَف العلماء في موضع الفدية المذكورة؛ فقال عطاء: ما كان من دم فَبِمَكّة، وما كان من طعام أو صيام فحيث شاء، وبنحو ذلك قال أصحاب الرأي. وعن الحسن أن الدم بمكة.
وقال طاووس والشافعي: الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة، والصوم حيث شاء، لأن الصيام لا منفعة فيه لأهل الحرم. وقد قال الله سبحانه (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) رِفقاً لمساكين جيران بيته، فالإطعام فيه منفعة بخلاف الصيام. والله أعلم.